لم تعد قضية وجود الأطفال في الفضاء الرقمي مسألة ترف تربوي أو اختلاف وجهات نظر بين الآباء، بل أصبحت قضية حقوقية وقانونية بامتياز، تمس جوهر مسؤولية المجتمع والدولة في حماية الطفل من المخاطر المستجدة التي فرضتها الثورة الرقمية.
فالطفل، بحكم تكوينه النفسي والعقلي، لا يملك القدرة الكاملة على التمييز بين ما هو آمن وما هو ضار، ولا يدرك الآثار بعيدة المدى التي قد تتركها وسائل التواصل الاجتماعي على سلوكه وصحته النفسية وهويته القيمية. وهذه حقيقة لم يعد ينكرها الفقه القانوني ولا الاتفاقيات الدولية، التي أكدت بوضوح أن مصلحة الطفل الراجحة هي المعيار الأعلى في كل قرار يتعلق به.
ومن هنا، فإن الولاية القانونية الممنوحة للوالدين والجهات الوصية لا تعد سلطة تقييد، بل واجب حماية. فحق الاختيار لدى الطفل حق متدرج، يمنح بقدر العمر والنضج، ولا يمكن أن يكون مطلقا حين يتعلق الأمر بسلامته النفسية أو الفكرية. ومن هذا المنطلق، فإن تقييد أو منع استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن وصفه بالتشدد أو العداء للتكنولوجيا، بل هو إجراء وقائي مشروع ينسجم مع روح القانون ومقاصده.
إن خطورة هذه المنصات لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في طبيعة إدارتها. فهي تدار عبر أنظمة ذكية وآليات رقمية هدفها الأساسي تعظيم التفاعل والربح، دون اعتبار حقيقي لخصوصية الطفل أو لحساسية مراحل نموه. ونتيجة لذلك، يجد الطفل نفسه مكشوفا لمحتوى غير مناسب، أو عرضة للتنمر الإلكتروني والاستغلال، أو محاطا بأنماط سلوكية تطبع العنف والانحراف، فضلا عن آثار نفسية قد تمتد إلى القلق والاكتئاب واضطرابات السلوك.
إن ترك الطفل دون ضوابط رقمية ليس حيادا، بل تقاعس عن أداء واجب قانوني وأخلاقي. فالحماية في هذا السياق ليست تقييدا للحرية، بل ضمان لمستقبل سليم. وهي مسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها، بل تمتد لتشمل المشرع، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، وشركات التكنولوجيا التي لا يمكن إعفاؤها من مسؤوليتها الاجتماعية.
وفي زمن يتسارع فيه التطور الرقمي، يبقى السؤال الحقيقي ليس: هل نمنع الأطفال من التكنولوجيا؟ بل: كيف نضمن أن تكون التكنولوجيا في خدمة الطفل، لا على حسابه.

















0 تعليق