ما حكم زيارة المتاحف التي تشتمل على التماثيل والآثار؟ المفتي يجيب

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ما حكم زيارة المتاحف التي تشتمل على التماثيل والآثار؟ المفتي يجيب, اليوم الأربعاء 1 يوليو 2026 06:38 مساءً

الآثار، أجاب مفتي الجمهورية على سؤال ورد إلى دار الإفتاء المصرية عن ما حكم زيارة المتاحف الأثرية التي تشتمل على تماثيل تعبر عن ثقافة وحضارة الشعوب؟ وجاءت الإجابة كالتالي:

زيارة المتاحف التي تشتمل على التماثيل والآثار المعبِّرة عن ثقافة وحضارة الشعوب بغرض التعليم أو الترفيه أمرٌ جائزٌ شرعًا، لا يخالف تعاليم الإسلام، بل يشتمل على معاني القيام بواجب السَّير في الأرض والتعرف على الأمم ودراستها مما يعود بالفائدة على الناس في واقع حياتهم، وهو فعلٌ موافقٌ لما دأب عليه علماء الإسلام وأهله مِن لدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين دَوَّنوا بعضَ أسمائهم على جدران الآثار المصريَّة، ومَن بعدهم مِن التابعين والعلماء والصالحين ممن سوَّدوا المسودات ودوَّنوا المدونات في الكلام عن عجائب تلك الآثار المكنونات، ومكانتها الحضارية بين سائر الأمم، والتحريمُ الوارد في الشريعة في شأن التماثيل والمنحوتات منصبٌّ على ما كان مصنوعًا أو موضوعًا للعبادة أو مضاهاة خلق الله، فإن انتفت تلك العلل انتفت الحرمة تبعًا لها، وانتفى الحرج في إقامة المتاحف وزيارتها.

بيان المراد بالمتاحف والغرض من إقامتها


وقال المفتي إن المتاحف ألسُنٌ ناطقة، وسجلاتٌ منظورةٌ صادقة، تُحدِّث أخبارَها، وتحفظ تاريخ شعوبها وبلادها، ليعرف اللاحق خبر السابق، ويدرك إنعام الله على الإنسان وتكريمه على سائر الخلائق.

والمتاحف جمع مُتحفٍ وهو: "موضع التُّحَفِ الفنيَّة أو الأثريَّة"، كما في "المعجم الوسيط" (1/ 82، ط. دار الدعوة)، ويعرف في الاصطلاح الدولي بأنه: "مقرٌّ دائمٌ من أجل خدمة المجتمع، مفتوحٌ للعامة، ويقوم بجمع وحفظ وبحث وعرض التُّراث الإنساني المادي وغير المادي؛ بغرض الإتاحة للتعليم والدراسة والترفيه"، كما في "المدونة الأخلاقية للمجلس الدولي للمتاحف" أيكوم [ICOM Code of Ethics for Museums] (ص1، 17-18، ط. المجلس الدولي للمتاحف 2017م)، وهو تعريفٌ يفيد أنَّ المُتحف عملٌ إنسانيٌّ، ووسيلةٌ لنشر العلم والمعرفة، وبناء الحضارة وبث روح الترفيه المنضبط في المجتمع.

ولما كانت المتاحف مَجمَع ما ظهر من آثار الحضارات القديمة، وكانت تلك الحضارات الموغلة في القدم كحضارة المصريين القدماء، والفرس، والرومان، وغيرهم ممن ملؤوا جنبات الأرض صناعةً وعمرانًا، قد لجأت إلى تسجيل تاريخها اجتماعيًّا وسياسيًّا وحربيًّا نقوشًا ورسومًا ونحتًا على الحجارة وغيرها، كانت بطبيعة الحال والواقع المشاهَد مشتملةً على تلك التماثيل والمنحوتات الأثرية التي لا يمكن دراسة تاريخ تلك الأمم إلا من خلالها.

حكم عرض التماثيل في المتاحف ودراسة تاريخ الأمم السابقة


اشتمال المتاحف الأثرية على التماثيل لا يَصِمُها بالمخالفة الشرعيَّة لتعاليم الإسلام؛ حيث إنَّ الإسلام لم يحرِّم التماثيل تحريمًا مطلقًا لذواتها، وإنما وقع التحريم في عصر النبوة حتى يستقرَّ الإيمان وتسكن القلوب إلى حضرة علام الغيوب، باعتبار حداثة عهدهم بالإيمان، وقرب عهدهم بالأصنام المعبودة من دون الله، فيزول ما في القلوب من تعظيمٍ لتلك الأصنام، فالتحريم مخصوصٌ بما كان مصنوعًا أو موضوعًا بقصد العبادة من دون الله، أو مضاهاة خلق الله، ومِن المقرَّر شرعًا أنَّ "الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا" كما في "شرح الزَّركَشِي على مختصر الخِرَقِي" (3/ 504، ط. مكتبة العبيكان).

وفي ذلك يقول  العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (22/ 162، ط. الدار التونسية): [لم تكن التماثيلُ المجسَّمةُ مُحرَّمَةَ الاستعمال في الشرائع السابقة، وقد حرَّمها الإسلام؛ لأن الإسلام أمعَنَ في قطع دابر الإشراك؛ لشدة تمكُّن الإشراك من نفوس العرب وغيرهم، وكان معظمُ الأصنام تماثيلَ، فحَرَّم الإسلامُ اتخاذَها لذلك، ولم يكن تحريمُها لأجل اشتمالها على مفسدة في ذاتها، ولكن لكونها كانت ذريعة للإشراك] اهـ. فأفاد أنه متى انتفت ذريعة الإشراك انتفت علة التحريم.

ويقول الشيخ الإمام محمد عبده فيما نقله عنه الشيخ رشيد رضا في "مجلة المنار" (20/ 270) بعد أن ساق الأحاديث المتعلقة بالتصوير والتماثيل: [إن الوعيد على تحريم التصوير خاصٌّ بمن كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأمَّا الآن فلا.. ولمَّا صارت صور ذات الأنفس لمجرَّد الزِّينة، وزالت مظنة العبادة؛ اتخذ بعض أئمة السلف بعض الصور في بيوتهم، كما ترك الصحابة الصور في إيوان كسرى] اهـ.

ولما كان الأمر كذلك، وكان التعرف على ما وصل إليه أولئك السابقون من علومٍ وفنونٍ مما يدفع إلى زيادة التقدم العلمي والحضاري النافع المستنير، فإن هذا لا يكتمل إلا بالحفاظ على تلك الآثار والاحتفاظ بها وجمعها سجلًّا وتاريخًا دراسيًّا يُستقرأ للتَّعرُّف على لغتِهم وعاداتِهِم ومعارِفِهم في الطبِّ والحرب والزراعة وغيرها، والقرآنُ الكريم في كثيرٍ من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار، قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20].

وقال العلامة ابن خلدون في "التاريخ" (1/ 13، ط. دار الفكر): [اعلم أن فنَّ التأريخ فنٌّ عزيز المذهب، جمُّ الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سِيَرِهم، والملوك في دُولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يَرُومه في أحوال الدِّين والدنيا] اهـ.

حكم زيارة المتاحف الأثرية

إقامة المتاحف التي تشتمل على تلك التماثيل والآثار لا يخرج عن مقاصد: التعليم، والتأمل، والمشاهدة، والاعتبار، والترفيه، والترويح عن النفس، وكلها مقاصد محمودةٌ شرعًا في أصلها.

ولا يتأتى تحصيل تلك المقاصد المحمودة إلا بوسيلة الزيارة، وقد تقرَّر شرعًا أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد ما لم تكن الوسيلةُ مُحرَّمةً في نفسها، ومعلومٌ أن السَّير في الأرض في حد ذاته مشروعٌ، بل هو مطلوب شرعًا كما سبق من الآية السالف ذكرها.

قال الإمام عز الدين بن عبد السلام في "الفوائد في اختصار المقاصد" (ص: 43، ط. دار الفكر): [للوسائل أحكام المقاصد من: الندب، والإيجاب، والتحريم، والكراهة، والإباحة. ورُبَّ وسيلةٍ أفضلُ من مقصودها؛ كالمعارف والأحوال وبعض الطاعات؛ فإنها أفضل من ثوابها. والإعانةُ على المباح أفضل من المباح؛ لأن الإعانةَ عليه مُوجِبةٌ لثواب الآخرة وهو خيرٌ وأبقى مِن منافع المباح] اهـ.

وقد اطلع سلف الأمة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على تلك الآثار والتماثيل لمَّا فتح الله عليهم مصر في خلافة الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتحت إمرة سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه، فما هدموها، ولا أفسدوها، ولا نَهَوْا عن زيارة بقاعها ومُشاهدتها، بل زارُوها، ودَوَّن بعضُهم اسمَه عليها.

وتعامل الصحابة فمن بعدهم مع تلك الآثار والتماثيل جاء موافقًا لتمام المحافظة على مكونات الحضارة، والرقيِّ والذَّوق الرَّفيع في حفظ البنيان والعمارة، والإبقاء على زينة كلِّ قُطرٍ مما شيده أهله من البنيان والآثار، وهو أيضًا موافقٌ لتوجيه سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «لَا تَهْدِمُوا الْآطَامَ، فَإِنَّهَا زِينَةُ الْمَدِينَةِ» أخرجه الإمامان: البزار في "مسنده"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار".

ولم يكتف علماء الأمة بالإبقاء على تلك التماثيل والآثار، بل درسوها، وزاروها، وتأملوها، وصنفوا فيها وفي عجائبها الكتب الطوال، فمنها: "مقصد المرام في عجايب الأهرام"، قال عنه العلامة الباباني في "إيضاح المكنون" (2/ 546، ط. دار إحياء التراث العربي): ["مقصد المرام في عجايب الأهرام" لعبد القادر البغدادي، نزيل مصر، ص خزانة الأدب، أوله: "الحمد لله رب العالمين"، مرتَّب على ستَّة فصولٍ، ذكر فيه الأهرامَ والحجرَ المسمى بأبي الهول في مجلَّدٍ لطيفٍ] اهـ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق