نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
النفقة الزوجية بين الكفاية والتوسع, اليوم الأحد 28 يونيو 2026 02:58 صباحاً
من أكثر أسباب الخلاف في الحياة الزوجية أن بعض الأزواج يختلفون في تقدير الحقوق أكثر من اختلافهم في أصلها؛ فقلّ أن تجد زوجا ينكر وجوب النفقة من حيث المبدأ، أو زوجة تنكر مسؤولية الزوج تجاه أسرته، لكن الخلاف ينشأ حين يبدأ كل طرف في رسم حدود هذا الحق وتفاصيله، ولعل هذا ما يفسر جانبا من الجدل المتكرر حول النفقة؛ فبعض الناس يتصور أنها لا تتجاوز الطعام والكسوة والمسكن، بينما يرى آخرون أنها تشمل كل ما تحتاج إليه الزوجة أو ترغب فيه، وبين هذين التصورين تتسع مساحة الخلاف وتتعدد صور النزاع.
الفقه الإسلامي حين تحدث عن النفقة لم يجعلها قائمة جامدة من البنود المحددة التي تصلح لكل زمان ومكان، وإنما ربطها بالكفاية والمعروف؛ فالنفقة على أدق العبارات الفقهية هي «كفاية الزوجة طعاما وكسوة ومسكنا وتوابعها»، وتشمل بحسب نظام الأحوال الشخصية: الطعام، والكسوة، والسكن، والحاجيات الأساسية بحسب العرف..؛ وهذه المفردات لا تختزل النفقة في الضروريات المجردة، ولا تفتح الباب على مصراعيه، بل تجعل المعيار تحقيق الكفاية وفق ما جرى به العرف السليم؛ ودل على هذا حديث هند بنت عتبة حين شكت شح زوجها أبي سفيان، فقال لها صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف؛ فجعل المعيار الكفاية، والضابط المعروف، وهما أصلان عظيمان في فهم النفقة وتقدير حدودها.
من أبرز محاسن الاجتهادات الفقهية المعاصرة إعادة النظر في بعض تطبيقات النفقة في ضوء الأحوال والأعراف المتجددة، فعلى سبيل المثال عد عدد من الفقهاء العلاج من الحاجات الداخلة في النفقة؛ لأن المرض من الأمور التي لا يكاد يخلو منها أحد، والعلاج من المستلزمات المعتادة التي تتوقف عليها سلامة الإنسان واستقرار أسرته، كما نظروا في شؤون الخدمة المنزلية، فربطوها بالعرف والحال والقدرة المالية؛ فإن كانت الزوجة ممن جرى العرف بخدمة مثلها، وكان الزوج موسرا، فإن توفير من يعينها أقرب إلى مقتضى المعاشرة بالمعروف، ونظروا كذلك في مستلزمات ومستحضرات الزينة للزوجة، وعدوا من توابع النفقة الحد المعتاد، مما يدفع عنها التبذل ويحقق لها المظهر اللائق في حدود الاعتدال، دون إلزام للزوج بالدخول في دائرة المبالغة والكماليات؛ فثمة فرق بين ما أذن به وما تنازل أو لم يتنازل عنه، وبين ما يعد حاجة معتادة وما يعد من باب التحسين، وبين ما يطلب على سبيل الوجوب أو الفضل.
لا شك أن استقرار الأسرة لا يتحقق بكثرة المطالبات أو بالاكتفاء بالحد الأدنى، وإنما يتحقق حين يعرف كل طرف ما له وما عليه، ثم يضيف إلى ذلك شيئا من الفضل والإحسان؛ ولعل من الحكمة أن يسأل الإنسان نفسه من وقت إلى آخر، هل أتحدث عن حق قررته الشريعة أو حق جرى به العرف، أم عن رغبة أرجو تحقيقها؟ فليس كل مرغوب حقا واجبا، كما أن ليس كل ما يطلب خارجا عن دائرة الحقوق، خاصة أن الزوج قد يرى أنه أدى ما عليه وفق قدرته، بينما ترى الزوجة أن احتياجات معتبرة لم تدخل أصلا في حساب زوجها؛ وكل طرف صادق في شعوره من وجهة نظره، والخلاف ليس في أصل الحق، بل في تقدير حدوده.
وأختم بأن الشريعة عندما أمرت بالعدل لم تكتف به، بل دعت إلى ما هو أوسع وأبقى أثرا وهو الفضل، وبين الكفاية بالمعروف والإحسان المتبادل تنمو الأسرة وتستقر وتقترب من المعنى الذي أراده الله لها سكنا ومودة ورحمة.
















0 تعليق