عفوا.. شهادة الطب من مصر مش بفلوسكم - النيل نيوز

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عفوا.. شهادة الطب من مصر مش بفلوسكم - النيل نيوز, اليوم الثلاثاء 25 أغسطس 2026 12:27 مساءً

لم تعد أزمة الطلاب الوافدين في كليات الطب المصرية مجرد قضية أعداد أو رسوم دراسية تُدفع بالدولار، وإنما أصبحت قضيه تمس هيبة الجامعة المصرية نفسها، وتطرح سؤالًا لا يجوز الهروب منه: هل أصبح بعض الطلاب الوافدين يتعاملون مع دفع المصروفات بالدولار باعتباره حقًا في النجاح. وصك للحصول علي شهادة كلية طب قصر العيني بالعافية رغم تواضع مستواهم العلمي والتعليمي!

وحتى إذا خالفوا قواعد الامتحان؟ وهل وصل الأمر إلى التشكيك في مستوى كليات الطب المصرية العريقة إذا لم تأتِ النتيجة على هوى الطالب؟

 

الواقعة التي فجرت هذا السؤال حدثت في امتحان بكلية طب قصر العيني، عندما نشبت أزمة بين إحدى الطالبات الوافدات والدكتورة مشرفة اللجنة، حينما حاولت طالبة عربية الغش في الامتحان وفشلت محاولاتها بسبب سيطرة الأستاذه المشرفة بقبضة حديدية علي لجنة الامتحان. لم يعجب الأمر الطالبة التي لجأت إلى تحرير محضر تتهم فيه الدكتورة المشرفة بالاعتداء عليها.

 

وبصرف النظر عن نتيجة التحقيقات التي يجب أن تحدد بدقة ما حدث ومن أخطأ، فإن اللافت أن الواقعة لم تتوقف عند حدود لجنة الامتحان، وإنما امتدت إلى موجة من التعليقات التي تشكك في التعليم الطبي المصري وتطعن في مستوى كليات الطب المصرية من الطلاب الوافدين الراسببين، وأولياء أمورهم، حيث إتهموا كليات الطب المصرية بتعمد رسوب أبناءهم رغبة في تكبيدهم مصروفات دراسية أكثر.

 

وزادت الاتهامات بالتقليل من شأن مستوي التعليم الطبي في مصر وجامعاتها، متناسبين أن جامعات مصر هي من أخرجت أجيال من الأساتذه العظماء في كل المجالات.. وأن أغلب من تعلموا في دولهم كانوا من خريجي جامعات مصر العريقة.

 

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف، فقصر العيني ليس كلية مستحدثة تبحث عن الاعتراف، ولا مؤسسة تعليمية تحتاج إلى شهادة من طالب جاء إليها ليدرس فيها. نحن نتحدث عن واحد من أعرق صروح الطب في مصر والمنطقة، تخرج فيه آلاف الأطباء الذين حملوا إسم مصر إلى مختلف أنحاء العالم. فمن غير المقبول أن يتحول تعثر طالب في امتحان، أو تطبيق لائحة على طالب، إلى ذريعة للنيل من مؤسسة علمية بهذا التاريخ.

 

والأكثر إثارة للقلق أن هذه الواقعة تأتي في ظل منظومة تسمح بقبول الطلاب الوافدين في كليات الطب بمجاميع تقل كثيرًا عن المجاميع التي يخوض بها الطالب المصري معركته للالتحاق بالكلية نفسها.

هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل من المنطقي أن نقبل طالبًا لدراسة الطب بمستوى أكاديمي أقل بكثير من المستوى الذي نطلبه من الطالب المصري، ثم نفاجأ بعد ذلك بأنه لا يستطيع تحمل الدراسة، أو يعاني من الرسوب، أو يدخل في صدام مع قواعد الامتحانات؟

 

الطب ليس كلية سهلة يمكن تعويض ضعف الأساس العلمي فيها بالمال. الطب علوم ثقيلة، تبدأ بالكيمياء والفيزياء والأحياء، ثم التشريح والفسيولوجيا والباثولوجي والأدوية، وتنتهي بمسؤولية مباشرة عن حياة الإنسان. ولذلك فإن معيار القبول يجب أن يكون قائمًا أولًا على الكفاءة والاستعداد العلمي، وليس على قدرة الأسرة على دفع الرسوم.

 

والأخطر من ذلك أن يتولد لدى البعض تصور بأن دفع آلاف الدولارات يمنحه وضعًا خاصًا داخل الجامعة. لا يا سادة.. الطالب يدفع مقابل التعليم، وليس مقابل النجاح.


الدولار لا يشتري درجة، ولا يمنح حصانة من الرسوب، ولا يسمح بتجاوز قواعد الامتحان، ولا يعطي الطالب الحق في التطاول على أستاذه أو مشرف اللجنة إذا مُنع من مخالفة اللائحة. ومن حق أي طالب أن يتظلم إذا تعرض لظلم، لكن ليس من حق أحد أن يحول إخفاقه الدراسي إلى اتهام للجامعة، أو يجعل من عدم حصوله على النتيجة التي يريدها دليلًا على فساد التعليم المصري.

 

والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هنا بقوة: إذا كان بعض هؤلاء الطلاب يرون أن التعليم الطبي المصري ضعيف إلى هذه الدرجة، فلماذا اختاروا مصر أصلًا؟ ولماذا اختاروا قصر العيني تحديدًا؟
 

مصر لم تذهب إلى أحد لتطلب منه أن يدرس في جامعاتها. أبوابها فُتحت للوافدين، واستقبلتهم على مدار عقود، وأنفقت على تعليمهم، ومنحتهم شهادات حملوها إلى بلادهم. ومن يختار مصر بإرادته عليه أن يحترم جامعاتها وأساتذتها وقوانينها.


أما أن يأتي الطالب بمعيار قبول أقل، ثم يعجز عن مواكبة الدراسة، ثم يطالب بمعاملة استثنائية، وإذا رسب شكك في مستوى الكلية، وإذا طُبقت عليه اللائحة دخل في مواجهة مع المشرفين، فهنا لابد أن تنتهي المجاملة.

نحن لا نطالب بإغلاق أبواب مصر أمام الوافدين، وإنما نطالب بشيء أكثر عدلًا ومنطقًا: معيار علمي حقيقي للقبول في كليات الطب، ومجموع موحد لقبول جميع الطلاب للدراسة في كليات الطب دون فرق بين طالب مصري وطالب وافد. حتي نضمن ألا يدخلها إلا من يملك القدرة الأكاديمية التي تؤهله لدراسة الطب.

فالجامعة المصرية ليست فندقًا لمن يدفع أكثر، وكلية الطب ليست مشروعًا تجاريًا لبيع الشهادات، وقصر العيني ليس مكانًا يمكن أن تهتز هيبته لأن طالبًا لم تعجبه نتيجة امتحان. من يريد دراسة الطب في مصر فأهلًا به، ولكن عليه أن يدخلها بالعلم، ويستمر فيها بالاجتهاد، وينجح فيها بالاستحقاق. أما الدولار، فمكانه في خزينة الجامعة.. وليس في ورقة الإجابة.