نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جنود الطبيعة في مواجهة الآفات، أعداء حيوية تحمي المحصول وتقلل فاتورة المبيدات - النيل نيوز, اليوم الخميس 27 أغسطس 2026 10:13 مساءً
في الوقت الذي يبحث فيه المزارعون عن وسائل أقل تكلفة لمواجهة ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وبينما تتزايد المخاوف من الإفراط في استخدام المبيدات الكيميائية وتأثيراتها على البيئة وجودة المنتجات الزراعية، يظهر سلاح آخر من قلب الطبيعة نفسها؛ حشرات ومفترسات وطفيليات وميكروبات يتم توظيفها لمهاجمة الآفات الزراعية بدلًا من إغراق المحصول بالمبيدات.
المعركة هنا لا تعتمد على رش مادة كيميائية، وإنما على إطلاق «عدو طبيعي» داخل الحقل، يبحث عن الآفة ويتتبعها ويتغذى عليها أو يتطفل عليها، ليعيد شيئًا من التوازن إلى المنظومة الزراعية.
ويكشف الدكتور عبد الخالق محمد حسين، الأستاذ المتفرغ بمعهد بحوث وقاية النباتات، تفاصيل منظومة المكافحة الحيوية في مصر، بداية من تربية الحشرات النافعة داخل المعامل، وصولًا إلى استخدامها في الحقول، مؤكدًا أن هذه الطريقة أصبحت تحمل فوائد بيئية واقتصادية، ويمكن أن تقلل فاتورة المبيدات بصورة ملموسة.
المكافحة الحيوية.. مبيد من نوع آخر
يقول الدكتور عبد الخالق محمد حسين إن استخدام الحشرات والكائنات الحية في حماية المحاصيل يندرج تحت ما يعرف بـ«المكافحة الحيوية»، وهي من الاتجاهات الحديثة التي تتوسع فيها دول عديدة للحد من الاعتماد على المبيدات الكيميائية.
وأوضح أن المكافحة الحيوية لا تقتصر على الحشرات، وإنما تشمل أيضًا الميكروبات والكائنات الدقيقة والطفيليات والمفترسات الحيوية، حيث يتم اختيار الكائن المناسب لمهاجمة الآفة المستهدفة دون الإضرار بالمحصول.
وأشار إلى أن بعض الطفيليات تتخصص في مهاجمة الحشرات الضارة، فتتطفل عليها أو على بيضها، وتؤدي إلى كسر دورة حياتها وتقليل أعدادها داخل الحقل.
«الترايكوجراما».. جندي صغير في معركة كبيرة
ويأتي طفيل الترايكوجراما في مقدمة أشهر نماذج المكافحة الحيوية المستخدمة في مصر.
ويشرح حسين أن الترايكوجراما حشرة دقيقة يتم إكثارها داخل معامل متخصصة بأعداد كبيرة للغاية، وفق نظام علمي دقيق.


وتبدأ العملية بتربية الحشرة وإنتاج أجيال منها، ثم استخدامها في الحقول، حيث تبحث عن بيض الآفات المستهدفة وتتطفل عليه، ما يمنع خروج اليرقات التي تتسبب في أضرار للمحصول.
وبذلك تتحول حشرة لا تكاد تُرى بالعين المجردة إلى أحد جنود المكافحة الحيوية، بعدما يتم إنتاجها بأعداد ضخمة وإطلاقها في التوقيت المناسب داخل الحقول.
«عدو العنكبوت الأحمر».. مفترس يحمي النبات
ولا تتوقف منظومة المكافحة الحيوية عند الترايكوجراما.
ويشير مدير معهد وقاية النباتات إلى وجود المفترسات الأكاروسية، وهي كائنات تتغذى على الأكاروسات الضارة بالنبات، ومن أبرزها العنكبوت الأحمر الذي يعد من الآفات التي يمكن أن تسبب أضرارًا كبيرة للعديد من المحاصيل.

كما توجد مفترسات حشرية متخصصة في مهاجمة أنواع محددة من الحشرات، بحيث يمكن اختيار العدو الحيوي وفق نوع الآفة الموجودة في المحصول.
وهنا تختلف الفكرة جذريًا عن المبيد التقليدي؛ فبدلًا من القضاء الكيميائي الواسع على الكائنات الموجودة في الحقل، يتم توجيه كائن حي إلى الآفة المستهدفة.
دودة الحشد.. عندما واجهت الطبيعة آفة وافدة
ومن أبرز النماذج التي يشير إليها حسين تجربة التعامل مع دودة الحشد، وهي آفة تهاجم محصول الذرة ويمكن أن تسبب خسائر كبيرة.
وأوضح أن المكافحة الحيوية يمكن أن تعتمد في مواجهتها على إطلاق طفيليات تستهدف الحشرة، في إطار منظومة متكاملة تهدف إلى تقليل أعداد الآفة والحد من انتشارها.
وأضاف أن تجربة استخدام الأعداء الحيوية لمواجهة الآفات الحديثة تؤكد أهمية امتلاك مصر أدوات متعددة للمكافحة، وعدم الاعتماد على المبيدات الكيميائية وحدها.
من المعمل إلى الحقل.. رحلة «العدو الحيوي»
لكن إنتاج حشرة نافعة أو طفيل قادر على مكافحة آفة ليس عملية عشوائية.
ويؤكد حسين أن أي برنامج للمكافحة الحيوية يبدأ داخل المعامل والمراكز البحثية، حيث تتم دراسة الكائن المستخدم والتأكد من فاعليته ومدى ملاءمته للظروف البيئية المصرية.
وبعد نجاح التجارب تبدأ مرحلة الإكثار والتربية بأعداد كبيرة، ثم نقل الكائنات النافعة إلى الحقول وفق برامج وتوقيتات محددة.
ويشير إلى أن إنتاج هذه الأعداد يحتاج إلى معامل مجهزة وكوادر مدربة قادرة على التعامل مع دورة حياة الحشرة أو الطفيل وتوفير الظروف المناسبة لاستمرار التربية.
ملايين الحشرات داخل «بطارية» واحدة
ويكشف الأستاذ المتفرغ بمعهد بحوث وقاية النباتات عن حجم الإنتاج الذي تحتاجه برامج المكافحة الحيوية، موضحًا أن البطارية الواحدة الخاصة بتربية طفيل الترايكوجراما قد تضم ما بين 10 و15 مليون حشرة.
وتستخدم هذه الأعداد في إنتاج أجيال جديدة يمكن نشرها داخل الحقول لمواجهة الآفات المستهدفة، ومنها دودة ورق القطن وغيرها.
ويعكس هذا الرقم حجم العملية الإنتاجية المطلوبة لتحويل المكافحة الحيوية من تجربة معملية إلى وسيلة يمكن تطبيقها على مساحات زراعية واسعة.
هل الأعداء الحيوية أرخص من المبيدات؟
الإجابة، وفقًا للدكتور عبد الخالق، أصبحت تميل لصالح المكافحة الحيوية، خاصة مع الارتفاعات الكبيرة في أسعار مستلزمات الإنتاج.
وأوضح أن تربية الحشرات النافعة كانت أكثر تكلفة في السابق، لكن التطور العلمي وتحسن تقنيات الإكثار جعلاها أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
وضرب مثالًا بالمكافحة الحيوية للأكاروسات، موضحًا أن تكلفة مكافحة العنكبوت الأحمر بالمفترسات الحيوية تتراوح بين 400 و600 جنيه للفدان خلال العروة التي تمتد لنحو ثلاثة أشهر.
في المقابل، يمكن أن تتجاوز تكلفة استخدام المبيدات 1000 جنيه للفدان وفق الأسعار التي أشار إليها، ما يجعل الفارق الاقتصادي عاملًا مهمًا في تشجيع المزارعين على تبني هذه الوسائل.
ولا تتوقف الميزة عند التكلفة، بحسب حسين، وإنما تمتد إلى تقليل الاعتماد على المواد الكيميائية والحفاظ على جودة المحصول والبيئة.

معمل صغير داخل المزرعة.. هل يصبح المزارع منتجًا للمفترسات؟
يرى حسين أن المستقبل قد يحمل تحولًا مهمًا في هذه المنظومة، يتمثل في قدرة بعض المزارعين على إنتاج الأعداء الحيوية داخل مزارعهم بدل الاعتماد بصورة كاملة على مصادر خارجية.
وأوضح أن إنشاء معمل بسيط لتربية الحشرات النافعة ليس أمرًا مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى معرفة علمية جيدة بدورات حياة الحشرات والمفترسات والطفيليات.
كما يحتاج المعمل إلى تجهيزات أساسية، من بينها أجهزة التكييف والتدفئة للحفاظ على الظروف المناسبة خلال فترات تغير درجات الحرارة، إلى جانب توفير الغذاء الملائم للكائن الذي تتم تربيته.
وأكد أن وصول المزارع إلى هذه المرحلة يمكن أن يمثل نقلة في منظومة الإنتاج الزراعي، خاصة إذا أمكن تطبيق التجربة بصورة جماعية داخل المناطق الزراعية.
مركز البحوث الزراعية يفتح الباب للتدريب
وأشار حسين إلى أن الراغبين في إنشاء معامل لتربية المفترسات أو الحشرات النافعة يمكنهم الاستفادة من البرامج التدريبية التي ينظمها مركز البحوث الزراعية.
وأوضح أن معهد بحوث وقاية النباتات بالدقي ومعهد أمراض النبات بالجيزة يقدمان برامج تدريبية متخصصة تساعد المتدربين على اكتساب الأساسيات العلمية والمهارات العملية الخاصة بتربية الحشرات والمفترسات.
وأضاف أن إنشاء معامل مشتركة بين مجموعة من المزارعين داخل المنطقة الواحدة يمكن أن يكون نموذجًا اقتصاديًا مناسبًا، كما يمكن أن يمثل المجال فرصة أمام الشباب والخريجين لإنشاء مشروعات مرتبطة بالزراعة والمكافحة الحيوية.
الأراضي الجديدة.. تجربة عملية للمكافحة الحيوية
وأكد حسين أن عددًا من المناطق الزراعية المستصلحة، خاصة الأراضي الرملية المتاخمة لمدينة السادات والمناطق الممتدة على الطريق الصحراوي وقرى الخريجين، شهدت توسعًا في استخدام المفترسات الحشرية والطفيليات.
وأشار إلى أن وجود باحثين ومتخصصين لديهم خبرة في نشر الأعداء الحيوية داخل الحقول ساعد على تطبيق هذه التقنيات في عدد من المحاصيل.
وأوضح أن محاصيل مثل الفلفل الألوان المخصص للتصدير والطماطم الشيري أصبحت تعتمد بدرجات مختلفة على المفترسات الحشرية وبعض الطفيليات، وعلى رأسها الترايكوجراما.
وأكد أن هناك مهندسين زراعيين يعملون على نشر ثقافة المكافحة الحيوية بجهود فردية، داعيًا إلى دعم هذه التجارب وتوسيع معامل الإكثار والإنتاج.
مفترس مستورد تأقلم مع البيئة المصرية
وكشف مدير معهد وقاية النباتات أن أحد المفترسات الأكاروسية المستخدمة في مكافحة الأكاروسات الضارة بالنباتات تم استيراده في الأصل من الخارج، قبل أن يثبت نجاحه بعد تأقلمه مع الظروف البيئية المصرية.
وأوضح أنه عند إطلاقه في بعض المحاصيل، ومنها الفاصوليا والفراولة، يستطيع الانتشار ومهاجمة الأكاروسات الضارة والسيطرة عليها بكفاءة.
وأكد أن الاستفادة من الكائنات الحيوية المستوردة تحتاج إلى التأكد أولًا من مدى ملاءمتها للظروف البيئية المحلية، قبل استخدامها بصورة موسعة.
هل تصبح المكافحة الحيوية بديلًا كاملًا للمبيدات؟
رغم المزايا الاقتصادية والبيئية، فإن المكافحة الحيوية لا تعني بالضرورة اختفاء المبيدات من الزراعة بصورة كاملة.
الأقرب إلى الواقع هو استخدامها ضمن منظومة متكاملة لإدارة الآفات، بحيث يتم الاعتماد على الوقاية والمراقبة والأعداء الحيوية، مع اللجوء إلى المبيدات عند الضرورة وبالطريقة التي لا تضر بالمنظومة الحيوية داخل الحقل.
وهنا تكمن أهمية التدريب والبحث العلمي؛ فنجاح «العدو الطبيعي» يعتمد على معرفة متى وأين وكيف يتم إطلاقه، وما الآفة التي يستهدفها، وما الظروف التي تساعده على البقاء والتكاثر.
من «عدو الآفة» إلى حليف المزارع
المكافحة الحيوية تطرح معادلة مختلفة في مواجهة الآفات الزراعية: بدل أن تكون المعركة بين المزارع والمبيد والآفة، يصبح العدو الطبيعي للآفة حليفًا للمزارع.
ومع ارتفاع تكلفة المبيدات، وتزايد الاهتمام بسلامة الغذاء وتقليل الأثر البيئي للزراعة، تبدو الحشرات النافعة والمفترسات والطفيليات أمام فرصة أكبر للانتقال من نطاق المعامل والبحوث إلى مساحة أوسع داخل الحقول المصرية.
لكن نجاح التجربة يحتاج إلى تدريب المزارعين، وتوفير معامل متخصصة، ودعم الباحثين، ونقل التكنولوجيا من المراكز البحثية إلى الحقول، حتى تتحول المكافحة الحيوية من فكرة علمية واعدة إلى ممارسة زراعية واسعة تخفض التكلفة وتحافظ على المحصول والبيئة.


















0 تعليق