نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المناطق الإنسانية تحت النار.. القوات المتعددة الجنسيات في غزة صقور بلا حمائم.. نتنياهو يناور لتكريس سيطرة جيش الاحتلال على القطاع.. واستخدام الغطاء الدولي لخدمة الأجندة العسكرية الإسرائيلية, اليوم الثلاثاء 28 يوليو 2026 12:02 مساءً
لا تبدو موافقة المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر على دخول قوة متعددة الجنسيات، تتشكل من 200 عنصر من المغرب وأوغندا، إلى قطاع غزة تحولا في السياسة الإسرائيلية بقدر ما تعكس محاولة لإعادة صياغة آليات إدارة القطاع بما يخدم الرؤية التي تعمل حكومة بنيامين نتنياهو على تكريسها منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في 7 أكتوبر 2023.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، فإن القوات المقترحة لن تنتشر في جميع أنحاء غزة، وإنما داخل مناطق إنسانية محددة تنشأ تحت إشراف ما يسمى بـ"مجلس السلام"، والذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتعمل بتنسيق كامل مع جيش الاحتلال وفي نطاق جغرافي تحدده إسرائيل، بينما تحتفظ الأخيرة بحق تعديل حدود هذه المناطق ومنع دخول أي قوات لا تنسجم مع رؤيتها الأمنية.
وتكشف هذه الترتيبات أن إسرائيل تسعى إلى الفصل بين الإدارة المدنية والهيمنة العسكرية، بحيث تسند الجوانب الإنسانية إلى أطراف دولية، في الوقت الذي يبقى فيه القرار الأمني والسيطرة الميدانية بيد جيش الاحتلال. وبهذا تصبح القوة متعددة الجنسيات أداة لإدارة مناطق محددة، لا بديلا عن الوجود الإسرائيلي أو مقدمة لانسحاب كامل من القطاع؛ خصوصا في ظل غياب وجود قوات عربية فاعلة ضمن القوة الأولية المقترحة.
قوة دولية بصلاحيات محدودة
ويأتي ذلك في سياق الخطة الأمريكية التي تتحدث عن مرحلة انتقالية لما بعد الحرب، إلا أن القراءة الإسرائيلية لها تختلف عن الطرح الدولي، إذ تسعى حكومة نتنياهو إلى توظيفها بما يحافظ على حرية الحركة العسكرية ويمنع أي ترتيبات قد تفرض عليها الانسحاب أو إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، وهو ما يفسر منح القوة الدولية صلاحيات محدودة وربط عملها بالتنسيق الكامل مع الجيش الإسرائيلي.
وفي الوقت نفسه، تكشف الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية أن مستقبل غزة أصبح إحدى أبرز ساحات الصراع داخل الائتلاف الحاكم. فبينما يحاول نتنياهو إظهار قدر من المرونة أمام الضغوط الأمريكية والدولية، يواصل وزراء اليمين المتطرف، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وأوريت ستروك وبتسلئيل سموتريتش، الضغط باتجاه خيار مختلف يقوم على إعادة الاستيطان ورفض أي ترتيبات قد تُفسر على أنها تنازل سياسي أو أمني. ويعكس هذا الانقسام اختلافا في الوسائل أكثر منه اختلافا في الهدف، إذ يتفق أطراف الائتلاف على منع عودة حركة حماس إلى إدارة القطاع، لكنهم يختلفون حول شكل الوجود الإسرائيلي وآليات فرضه.
خروقات عسكرية ومشروعات استيطانية جديدة
وتتراجع مصداقية الحديث عن ترتيبات إنسانية في ظل الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض. فمنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لم تتقدم المفاوضات إلى مرحلتها الثانية، في حين واصل جيش الاحتلال توسيع نطاق سيطرته داخل القطاع، بالتزامن مع استمرار الخروقات العسكرية وطرح مشاريع استيطانية جديدة، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الالتزامات المعلنة والممارسات الفعلية.
وإلى جانب انتهاك بنوده عبر الخروقات شبه اليومية، ورفض تنفيذ ما عليها من التزامات، واصلت سلطات الاحتلال إزاحة ما يعرف بـ"الخط الأصفر" باتجاه الغرب، في حين كان الاتفاق يحدد مسار الانسحاب الإسرائيلي نهائيا من غزة، ويعد بإعادة إعمارها.
وفي هذا السياق، يكتسب ما كشفته وكالة رويترز أهمية خاصة، إذ أظهر أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي استغلت انشغال المجتمع الدولي بالتصعيد مع إيران لمواصلة إعادة رسم خريطة السيطرة داخل قطاع غزة. فالمناطق التي كانت خاضعة للسيطرة الإسرائيلية عقب وقف إطلاق النار اتسعت تدريجيا من 53% إلى 58%، قبل أن يعلن نتنياهو وصولها إلى نحو 70% من مساحة القطاع.
وأمام هذا التمدد، تقلصت المساحة المتاحة لسكان غزة إلى نحو 110 كيلومترات مربعة فقط، ليتكدس فيها قرابة 2.13 مليون فلسطيني بكثافة سكانية تتجاوز 19 ألف نسمة في الكيلومتر المربع، وسط دمار واسع ونقص حاد في المأوى والخدمات الأساسية.
صقور بلا حمائم
وتعزز هذه المعطيات ما حذرت منه الأمم المتحدة بشأن الانكماش المتواصل للمساحات الآمنة وتفاقم الأزمة الإنسانية، في وقت يترافق فيه التوسع العسكري مع تصاعد الحديث داخل الحكومة الإسرائيلية عن إنشاء مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة في غزة، بما يوحي بأن إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي للقطاع أصبحت جزءا من النقاش السياسي الإسرائيلي.
كما تعكس الخلافات داخل الائتلاف الحاكم، والذي بات يمثل صقورا بلا حمائم، أن ملف غزة أصبح جزءا من الصراع السياسي الداخلي في إسرائيل، إذ يسعى نتنياهو إلى الموازنة بين الضغوط الأمريكية والدولية الداعية إلى ترتيبات انتقالية، وبين مطالب شركائه من أحزاب اليمين المتطرف الذين يرفضون أي خطوة قد تفهم على أنها تمهيد لانسحاب إسرائيلي أو عودة السلطة الفلسطينية، ويتمسكون بخيار إعادة الاستيطان وتشجيع تهجير الفلسطينيين؛ حيث رفضه وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، بزعم أن "حماس لم تلتزم بتعهدها بنزع السلاح من قطاع غزة والتخلي عن أسلحتها"، مضيفا: "لسنا ملزمين نحن أيضا بذلك. ومنذ البداية، كنت معارضا لخطة النقاط العشرين؛ الحل في غزة هو تشجيع الهجرة".
وفي السياق، قالت وزيرة الاستيطان أوريت ستروك: "إن الشيء الإيجابي الوحيد هنا هو وجود إجماع دولي، لكن من ناحية أخرى، لقد تعهدوا بأمور لم يلتزموا بها. وإذا أقيمت غزة الجديدة بهذه الطريقة، فسيكون ذلك وصمة عار"، بحسب جريدة "يسرائيل هيوم".
تواصل نزيف الدم
كما واصلت قوات الاحتلال استهداف المدنيين الفلسطينين، حيث بلغ إجمالي عدد الضحايا الفلسطينيين جراء الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار1203 شهيدا، إلى جانب 3900 مصابا، بالإضافة إلى انتشال 803 جثمانا، بحسب تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، فيما ارتفعت الحصيلة التراكمية لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، إلى نحو 73 ألف و329 شهيدا، و174 ألف و9 مصابا.
وانطلاقا من هذه المؤشرات، يرى مراقبون أن الحديث عن قوات متعددة الجنسيات ومناطق إنسانية لا يمكن فصله عن المشروع الإسرائيلي الأشمل لإدارة مرحلة ما بعد الحرب. فبدلا من أن تكون هذه القوات مدخلا لإنهاء الاحتلال أو تمهيدا لإعادة الإعمار، قد تتحول إلى جزء من ترتيبات تكرس واقعا جديدا تتولى فيه أطراف دولية إدارة الجوانب الإنسانية، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية والعسكرية وبالقدرة على توسيع نفوذها داخل القطاع متى شاءت، وهو ما يجعل مستقبل غزة مرهونا بميزان القوة الذي تفرضه الوقائع الميدانية أكثر من ارتباطه بالاتفاقات السياسية أو الضغوط الدولية.













0 تعليق