نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كريم خان.. من ضباب اسكتلندا إلى عواصف دونالد ترامب.. كيف دفع المدعي العام للجنائية الدولية ثمن ملاحقة نتنياهو بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة؟, اليوم السبت 25 يوليو 2026 02:59 مساءً
كريم خان، من ضباب اسكتلندا حيث أبصر النور عام 1970، شق كريم خان، بعينيه الحادتين ووجهه الصارم، طريقه ليصبح أحد أبرز الوجوه في ساحات العدالة الدولية، متسلحا بـ"كاريزما طاغية، وفصاحة تتخللها لمسات من الفكاهة البريطانية اللاذعة، وصلابة تقف سدا منيعا أمام عواصف المعارضين"، بحسب وصف المحكمة الجنائية الدولية له أثناء اختياره في فبراير من عام 2021 كثالث مدع عام في تاريخها والأول الذي ينتخب باقتراع سري، قبل عزله من منصبه بضغوط أمريكية إسرائيلية، أمس الجمعة، على خلفية مزاعم بارتكابه "سلوكا جنسيا غير لائق".
لم تكن مسيرة خان إلى قمة هرم العدالة الدولية مفروشة بالورود، بل كانت رحلة تاريخية –تأريخية- شارك خلالها في محاكمات جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، ومجازر الإبادة في رواندا، وكوارث تنظيم داعش في العراق، وملفات اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، ومحاميا يتولى الدفاع عن سيف الإسلام القذافي في مفارقة أكدت أن "رجل القانون لا يحاكم الأشخاص، بل يترافع باسم العدالة، أيا كانت هوية من يمثلهم".
زلزال غزة.. والمواجهة الكبرى
في أروقة لاهاي، كان خان يدرك أن العدالة الحقيقية لا تعرف حصانة ولا تستثني أحدا. وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، اتخذ خان قراره الأخطر؛ ففي نوفمبر 2024، ألقى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بحجر ثقيل في بركة السياسة الدولية التي رفعت شعار "لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم"، مصدرا مذكرات اعتقال رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب الإسرائيلي –آنذاك- يوآف جالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
هنا، تحول المحامي البريطاني المتخصص في القانون الجنائي الدولي وقانون حقوق الإنسان، والحاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في القانون الدولي، إلى فريسة؛ حيث وصف نتنياهو الخطوة بأنها "فضيحة أخلاقية ذات أبعاد تاريخية، واعتبرتها واشنطن "خطوة مشينة"، وانهالت عليه تهديدات من كبار الجمهوريين في الكونجرس الأمريكي تتوعده بعبارة تنذر بالسوء: "لقد تم تحذيرك". وفي غمضة عين، وجد خان نفسه هدفا لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، والتي راحت تروج –بقوة- لمزاعم ارتكابه "سلوكا جنسيا غير لائق"، وصولا إلى تعرضه لعقوبات فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية على خلفية مذكرات التوقيف الصادرة بحق نتنياهو وجالانت، في مشهد اختلطت فيه أوراق العدالة بغطرسة القوة.
حملات إعلامية مضللة
لم تقتصر المواجهة على ساحات التهديد والعقوبات، بل امتدت سريعا إلى الفضاء الإعلامي. فبعد أسابيع من إصدار مذكرات الاعتقال، بدأت حسابات إسرائيلية ووسائل إعلام في تداول تصريح مجتز للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، للإيحاء بأنه نفى وجود أدلة على ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية في غزة.
غير أن مراجعة المقابلة الأصلية، التي أجراها مع الإعلامي البريطاني مهدي حسن مطلع مايو 2025، تكشف صورة مغايرة تماما. فحين سُئل خان عن سبب اقتصار طلبات الاعتقال على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية دون تهمة الإبادة الجماعية، أوضح أن الادعاء يبني قراراته على الأدلة المتوافرة في كل مرحلة، وأن التحقيقات لا تزال مستمرة، مؤكدا أن "لا شيء مستبعد إذا توفرت الأدلة".
ورغم وضوح تصريحات خان، تعمدت حسابات إسرائيلية اقتطاع إجابته وتقديمها باعتبارها نفيا قاطعا لوجود أدلة على الإبادة. وبلغت الحملة ذروتها بعدما نشرت صحيفة "بيلد" الألمانية عنوانا يفيد بأن خان "لم يعثر على أي دليل على وقوع إبادة جماعية في غزة"، وهو عنوان أسهم في ترسيخ رواية مغايرة لما قاله بالفعل، بعدما انتشرت صورة العنوان على نطاق واسع، بينما غاب التسجيل الكامل للمقابلة.
أحجار الدومينو تتساقط رغم النفي
بين سندان الضغوط الإسرائيلية ومطرقة العقوبات "الترامبية"، وجد خان نفسه في مواجهة معركة لم تعد قانونية فحسب، بل امتدت إلى ساحات السياسة والإعلام؛ حيث تمسك ببراءته، ونفى الاتهامات الموجهة إليه بصورة قاطعة، معتبرا أنها جزء من حملة "متحيزة وخطيرة" تستهدف اغتياله معنويا، عقابا على مذكرات الاعتقال التي أصدرها بحق مسؤولين إسرائيليين.
وفي مقابلة مع موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، رسم خان صورة قاتمة لما اعتبره مفترق طرق يواجه العدالة الدولية، قائلا: إن العالم يقف اليوم بين خيارين: إما الخضوع لمنطق القوة الغاشمة، أو التمسك بسيادة القانون.
وأضاف خان أن الحملة المستمرة ضده دفعت المحكمة الجنائية الدولية إلى "منطقة مجهولة"، محذرا من أن ما يحدث قد يرسي سابقة خطيرة تتيح إقصاء المسؤولين المنتخبين عبر الضغوط السياسية. كما اتهم أعضاء في مكتب جمعية الدول الأطراف بالسعي إلى تقويض المبادئ القانونية الأساسية، عبر تجاهل نتائج تحقيق أممي خلص إلى عدم وجود أدلة تثبت ارتكابه أي مخالفات.
وبينما كانت المعركة تتسع، توالى سقوط أحجار الدومينو؛ ففي مايو 2025، أُجبر خان على التنحي مؤقتا عن مهامه، قبل أن يتلقى ضربة أخرى في يونيو 2026، حين قرر مجلس معايير المحامين البريطاني تعليق حقه في ممارسة المحاماة في إنجلترا وويلز. أما الضربة الأكبر، فكانت أمس الجمعة؛ حيث أسدل الستار على هذه الدراما في نيويورك، عبر اقتراع سري اجتمعت فيه 82 دولة للإطاحة به وعزله من منصبه، بقرار وصفه خان بأنه "غير قانوني ولا يستند إلى أدلة".
شجاعة مواجهة الكبار
ينقل موقع "أكسيوس" الأمريكي عن مسؤول إسرائيلي قوله إن "وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر والبعثات الدبلوماسية الإسرائيلية كثفوا خلال الأيام الأخيرة اتصالاتهم مع عدد من الدول لحشد الأصوات المؤيدة لعزل خان، أو دفعها إلى الامتناع عن التصويت، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الأمريكية للمحكمة الجنائية الدولية".
رغم أن تحقيقات أممية سابقة لم تعثر على أدلة تدينه، فإن سحابة الاتهامات بقيت تخيم على المحكمة، تاركة أثرا عميقا في أروقتها، حتى وصف بعض زملائه المشهد بأنه بات "ملوثا" بالشكوك والاستقطاب، في نهاية بدت لكثيرين أقرب إلى فصل جديد من صراع السياسة مع العدالة، منها إلى خاتمة قضية قانونية بحتة، ليغادر خان المسرح، تاركا وراءه صورة لبطل في عيون من رأوا فيه شجاعة مواجهة الكبار، وضحية في شباك سياسة فاسدة لا ترحم من يجرؤ على تحديها.


















0 تعليق