نبيه برّي يغلق باب التفاوض تحت النار: الهدنة المزعومة غطاء للمجازر الإسرائيلية

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يقف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي موقفاً حازماً تجاه الدعوات المتسارعة للانخراط في محادثات سلام لا تراعي الوقائع الدامية على الأرض، وقد جاءت تصريحاته الأخيرة لتشكل نقطة فاصلة في مسار التعاطي الرسمي اللبناني مع التدخلات الخارجية، رافضاً الخضوع لأي ابتزاز سياسي يترافق مع استمرار القصف والتهجير.

​حسب تقرير لـ صحيفة الشرق الأوسط، جاء هذا الموقف الصارم رداً على بيان مثير للجدل أصدرته السفارة الأميركية في العاصمة اللبنانية بيروت.

 ودعا البيان الأميركي رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى عقد اجتماع مباشر واستثنائي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واعتبر رئيس البرلمان أن هذا البيان يعبر عن نفسه بوضوح، ولا يحتاج إلى قراءة ما بين السطور، مؤكداً إيقاف محركاته السياسية المتعلقة بهذا المسار التفاوضي.

​وأوضح نبيه برّي أن غيابه عن اللقاء الثلاثي الذي كان مقرراً في القصر الجمهوري مع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام لم يكن صدفة.

وجاء هذا الاعتذار نتيجة مباشرة لتصريحات رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية، والتي أشار فيها إلى وجود تنسيق كامل حول المفاوضات، وشدد رئيس البرلمان على أن التنسيق المسبق لا يعني القبول بخطوات غير مدروسة، خصوصاً في ظل استمرار آلة الحرب الإسرائيلية في حصد الأرواح.

التصعيد الميداني وانهيار الهدنة المؤقتة

​وتطرق نبيه برّي في حديثه إلى الهدنة المزعومة التي امتدت لثلاثة أسابيع إضافية بتدخل مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقد تساءل المرجع البرلماني اللبناني عن الجدوى الفعلية لهذه الهدنة التي لم تمنع القوات الإسرائيلية من الاستمرار في تجريف البلدات الجنوبية. وأشار إلى أن مشاهد هدم المنازل واستباحة دماء المدنيين الأبرياء لا تزال تتصدر المشهد اليومي، مما يكذب أي ادعاءات بوجود تهدئة حقيقية على أرض الواقع المأساوي.

​كما استنكر بشدة الممارسات الإسرائيلية التي منعت فرق الإسعاف والدفاع المدني من القيام بواجباتها الإنسانية لإنقاذ الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات بصورة عاجلة. 

وأدى هذا المنع المتعمد إلى مفارقة العديد من العالقين تحت الركام للحياة قبل وصول فرق الإنقاذ إليهم. وتساءل باستنكار عما إذا كانت هذه الطواقم الطبية والمسعفون جزءاً من البنى العسكرية كما تدعي تل أبيب لتبرير تدميرها الممنهج للبنى التحتية والمؤسسات الصحية والإغاثية اللبنانية.

​وأكد أن هذه الهدنة الوهمية لم تكن سوى غطاء أتاح لإسرائيل التمادي في ارتكاب مجازر غير مسبوقة ضد المدنيين العزل في مختلف المناطق. وانتقد الغياب التام لأي ضغط أميركي فعلي لإلزام تل أبيب باحترام تعهداتها، على الرغم من أن واشنطن كانت العراب الأساسي لتمديد هذه الهدنة. وتساءل عن الكيفية التي يمكن بها تبرير الانخراط في مفاوضات سياسية تحت ضغط النيران، وكيف يمكن مواجهة ذوي الضحايا بمثل هذه التنازلات.

التباين الرئاسي ومحاولات رأب الصدع

​وعلى صعيد العلاقات الداخلية بين أركان الدولة، تكشف أوساط نيابية مواكبة للحراك الرئاسي أن ما حدث بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان لا يرقى للقطيعة. وتفضل هذه الأوساط وصف الحالة بأنها مجرد تباين في تفسير أبعاد البيان الصادر عن الخارجية الأميركية ومقاصده الخفية. 

ويؤكد الوسطاء أن قنوات الاتصال لم تنقطع، وأن هناك جهوداً حثيثة لتبريد الأجواء ومنع تفاقم الخلاف في هذه الظروف الاستثنائية التي تتطلب تضافر كافة الجهود.

​وتشير المعلومات المستقاة من كواليس السياسة اللبنانية إلى أن الرؤساء الثلاثة يجمعون على ثابتة وطنية لا يمكن التنازل عنها، وهي ضرورة وقف الأعمال العدائية. 

ولا يمكن تصور أي مسار تفاوضي جدي مع إسرائيل قبل تثبيت وقف إطلاق النار بشكل نهائي وموثق دولياً. وقد أسهم توضيح المواقف على هامش إحدى جلسات مجلس الوزراء في ترطيب الأجواء، مما يمهد لعودة الحرارة إلى خطوط التواصل الرئاسية ووضع خارطة طريق مشتركة.

​ويدرك الجميع في دوائر القرار اللبنانية أنه لا مفر من إعادة توحيد الموقف الرسمي لمواجهة الضغوط الخارجية المتزايدة على كافة الأصعدة.

 ويشكل التمسك بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بحقوق لبنان السيادية، الممر الإلزامي الوحيد لبدء أي مفاوضات مستقبلية سواء عبر قنوات مباشرة أو وسطاء دوليين. وهذا التوافق الداخلي هو ما يفرض على الإدارة الأميركية التدخل الجاد لكبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية المتمادية في تدميرها للأراضي اللبنانية.

الضغوط السياسية وموقف القيادة اللبنانية

​وتدافع الأوساط المقربة من نبيه برّي عن مقاربته الواقعية لملف التفاوض الشائك، وتطرح تساؤلات مشروعة حول تقاعس الإدارة الأميركية عن القيام بدورها كراعٍ للسلام. وتستذكر هذه الأوساط اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي تم برعاية أميركية فرنسية مشتركة في عام ألفين وأربعة وعشرين، والذي بقي حبراً على ورق. 

فقد سمح التراخي الدولي لإسرائيل بخرق هذا الاتفاق مراراً وتوسيع دائرة استهدافاتها لتشمل العاصمة ومناطق بقاعية واسعة النطاق.

​وتلفت المصادر المطلعة إلى أن الجانب اللبناني أبدى تجاوباً ملحوظاً مع رغبة رئيس البرلمان في ضبط النفس، والتزم إلى أقصى الحدود بوقف العمليات العسكرية. وقد أثمر هذا التجاوب عن تفاهمات أولية مع الوسيط الأميركي آموس هوكستين في ذلك الوقت سعياً نحو التهدئة الشاملة. ولكن في المقابل، حصلت إسرائيل على تفويض ضمني لمواصلة اعتداءاتها بحجة الدفاع الاستباقي عن مستوطناتها الشمالية وتأمين حدودها من المخاطر المحتملة التي تهدد أمنها القومي.

​وقد شكل الالتزام اللبناني بوقف إطلاق النار طوال خمسة عشر شهراً متواصلة تحدياً كبيراً وإحراجاً داخلياً، خصوصاً مع تصاعد الخروقات الإسرائيلية اليومية المستمرة. ورغم أن واشنطن تعهدت بضمان تلازم الخطوات بين الجانبين كشرط أساسي لنجاح الاتفاق، إلا أنها اختارت غض الطرف عن التجاوزات الإسرائيلية الجسيمة والمتكررة.

ووجدت حكومة نواف سلام نفسها في مواجهة تمرد إسرائيلي سافر على قواعد الاشتباك ومحاولات مستمرة لفرض شروط استسلام قاسية بقوة النار.

الدور الأميركي ومستقبل المفاوضات

​لقد أصبحت قناعة راسخة لدى القيادة اللبنانية بأن الهدن المؤقتة لم تكن سوى فخ سياسي وعسكري مكشوف لتمرير المزيد من المخططات التدميرية على الأرض. فقد أتاحت هذه الفترات لإسرائيل تحويل مناطق شاسعة في جنوب نهر الليطاني وشماله إلى مسرح عمليات مفتوح ومناطق محروقة غير صالحة للسكن. وتهدف هذه السياسة إلى تهجير السكان قسرياً عبر إنذارات إخلاء متتالية وتدمير البنى التحتية التي تضمن مقومات الحياة الأساسية في مختلف بلدات الجنوب.

​وتعرب المراجع السياسية عن ثقتها التامة بأن الرئيس جوزيف عون لن يتراجع عن شرطه المبدئي المتمثل في الوقف الشامل والنهائي لإطلاق النار. ويعتبر هذا المطلب الركيزة الأساسية قبل الشروع في أي حوار مباشر أو غير مباشر برعاية الإدارة الأميركية، مهما اشتدت الضغوط الدبلوماسية. 

وهذا التوجه ينسجم تماماً مع الرؤية المشتركة التي يتقاسمها مع كل من نبيه برّي ورئيس الحكومة، والتي تمت ترجمتها بوضوح في مقررات مجلس الوزراء الأخيرة.

​ولا يمكن للبنان الرسمي أن يمنح إسرائيل جائزة سياسية مجانية بالذهاب إلى طاولة المفاوضات دون الحصول على ضمانات دولية صارمة وموثقة من رعاة السلام. ويحذر المراقبون من أن الرضوخ للضغط الأميركي لعقد لقاء مستعجل مع الجانب الإسرائيلي قد يؤدي إلى انفجار داخلي وتوتير خطير في الشارع اللبناني. ويبقى مطلب عودة النازحين إلى قراهم المدمرة وإعادة الإعمار أولوية قصوى تتجاوز أي مكاسب سياسية قد يسعى البعض لتحقيقها على حساب تضحيات المواطنين.

​وتختم الأوساط المتابعة بالتأكيد على دعمها لموقف الرئيس عون المتروي والرافض لحرق المراحل الدبلوماسية استجابة لرغبات السفارات الأجنبية مهما بلغت حدة الضغوط والتدخلات.

وتستغرب هذه الأوساط الطريقة غير المألوفة التي صدر بها بيان الدعوة للقاء نتنياهو عبر السفارة الأميركية في بيروت، في سابقة لافتة في مسار العلاقات. وقد دفع هذا التجاوز رئيس الجمهورية لاستيضاح الأمر شخصياً من السفير الأميركي ميشال عيسى للوقوف على الدوافع الحقيقية وراء هذا التصرف الدبلوماسي المستغرب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق