لم يعد وصول شحنات أخشاب التنوب النمساوي إلى الموانئ القطرية مجرد إجراء روتيني كما كان عليه الحال قبل اندلاع حرب إيران التي قلبت موازين التجارة رأساً على عقب، بعد أن تسببت العمليات العسكرية في تعطيل المسارات البحرية التقليدية التي كانت تضمن وصول مواد البناء الأساسية لتشييد الهياكل الخرسانية. هذا الاضطراب المفاجئ حول تدفق السلع من سلاسة مطلقة إلى رحلة محفوفة بالعقبات والتكاليف الباهظة.
وحسب تقرير لوكالة رويترز للأنباء فإن الخشب القياسي المعروف باسم "2x4" كان يشحن عادة من قلب أوروبا عبر النمسا وصولاً إلى ميناء جبل علي بدبي. ومن هناك كانت السفن تنقل الشحنات إلى ميناء حمد في قطر خلال مدة زمنية لا تتجاوز خمسة وأربعين يوماً. لكن التوترات الراهنة فرضت واقعاً جديداً يتطلب تفريغ الشحنات ونقلها براً لمسافات طويلة جداً.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الحيوي أدى إلى حالة من الفوضى غير المسبوقة في تجارة النفط والسلع الاستراتيجية. وبات المستوردون يواجهون زيادات ضخمة في الكلف وتأخيرات في مواعيد التسليم تمتد لأشهر عديدة. هذه الأزمة اللوجستية لم تقتصر على مواد البناء فحسب بل امتدت لتشمل كافة القطاعات الحيوية التي تعتمد على الممرات المائية الإقليمية.
انعكاسات الصراع العسكري على قطاع البناء والسلع الأساسية
تجسد عوارض الخشب الأبيض المعروفة بمقاساتها القياسية أزمة أعمق تطاول الأسواق الخليجية نتيجة التداعيات المباشرة التي خلفتها حرب إيران على أمن الملاحة. وعلى الرغم من أن هذا النوع من الأخشاب لا يصنف كمورد استراتيجي إلا أن نقصه الحاد يهدد بتباطؤ مشروعات البنية التحتية. ويؤكد الموردون أن أي خلل في وفرة هذه المادة يؤدي فوراً إلى ارتفاع جنوني في أسعار الوحدات السكنية.
ويروي أحد موردي مواد البناء في قطر كيف تبدلت أحوال تجارته عقب الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير. فقد كانت لديه سبع عشرة حاوية محملة بالخشب الأبيض في عرض البحر عندما اندلعت المرحلة الجديدة من الصراع. وبدلاً من توجه السفينة إلى دبي كما هو مخطط تم تحويل مسارها بشكل طارئ إلى الساحل الشرقي للإمارات.
لقد كان الهدف من تغيير المسار هو تجنب عبور مضيق هرمز الذي بات منطقة خطر عسكري شديد نتيجة ظروف حرب إيران المستعرة. ومع ذلك لم تصل تلك الشحنات إلى وجهتها النهائية في قطر حتى اللحظة مع توقعات بتأخير إضافي لمدة شهرين. وفي الوقت ذاته ظلت حاويات الخشب الرقائقي عالقة في البحر لأسابيع قبل أن تضطر للعودة لميناء الانطلاق.
ارتفاع جنوني في كلف الشحن والحلول اللوجستية البديلة
أدت الاضطرابات الناتجة عن حرب إيران إلى قفزة هائلة في أسعار بيع قطع الخشب القياسية في الأسواق القطرية والخليجية بشكل عام. فبعد أن كان سعر القطعة الواحدة يتراوح بين ثلاثة وعشرين وخمسة وعشرين ريالاً قطرياً قفز السعر إلى سبعة وثلاثين ريالاً. وتعزى هذه الزيادة إلى الكلف الإضافية لعمليات تغيير المسار ورسوم التأمين المرتفعة على السفن العابرة للمناطق الساخنة.
ويدرس التجار حالياً خيارات بديلة وأكثر كلفة مثل توجيه الشحنات عبر ميناء جدة السعودي على البحر الأحمر لتفادي المخاطر البحرية. هذا المسار يتطلب نقل الأخشاب بالشاحنات لمسافة تزيد عن ألف وخمسمئة كيلومتر عبر شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى الدوحة. ومن شأن هذه الرحلة البرية الطويلة أن ترفع سعر البيع النهائي للمستهلك إلى مستويات قياسية تفوق القدرة الشرائية للعديد من المقاولين.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الأخشاب بل طاولت الأدوية والمواد الغذائية الأساسية التي كانت تنقل جواً أو بحراً بمدد قصيرة. فقد ارتفعت مدة رحلة الأدوية من المملكة المتحدة إلى دبي من أربعة أيام إلى أربعين يوماً تقريباً. كما تضاعفت كلفة شحن البصل من الهند إلى الإمارات ثلاث مرات مع زيادة زمن الرحلة من أسبوع واحد إلى ثلاثة أسابيع كاملة.
تحركات حكومية خليجية لمواجهة اختناقات سلاسل التوريد
تعتبر دول مثل قطر والبحرين والكويت الأكثر تأثراً بتداعيات حرب إيران نظراً لموقعها الجغرافي الذي يجعل مضيق هرمز شريانها الوحيد. وفي المقابل تمتلك الإمارات ميزة نسبية لوجود موانئ تطل مباشرة على بحر العرب خارج منطقة الصراع المباشر. وقد دفع هذا التباين الحكومات الخليجية إلى التنسيق العالي لتخفيف الضغط اللوجستي وتسهيل حركة البضائع العابرة للحدود البرية.
وأعلن وزير النقل السعودي صالح الجاسر عن حزمة تدابير تشمل السماح للشاحنات المبردة الفارغة بدخول المملكة وتأسيس مناطق تخزين مشتركة. وتهدف هذه الخطوات إلى تقليل زمن التخليص الجمركي في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام وضمان تدفق السلع. كما فعلت دبي ممرات خضراء مع سلطنة عمان لتسهيل نقل البضائع من الموانئ العمانية مباشرة إلى الأسواق الإماراتية والخليجية.
وعلى الرغم من هذه الجهود الحثيثة يرى الخبراء أن الحلول البرية تظل قاصرة عن تعويض كفاءة وسرعة الشحن البحري التقليدي. ومن المتوقع أن تظل أسعار المنتجات الاستهلاكية مرشحة للارتفاع بنسب تتجاوز العشرة في المئة إذا لم يتوقف النزاع المسلح. وفي سياق منفصل شهدت تركيا حادثاً أليماً بمقتل أربعة أشخاص إثر إطلاق نار في مدرسة بمحافظة كهرمان مرعش جنوب البلاد.


















0 تعليق