نهاية زمن الحماية المجانية.. خطة ترمب السرية لتفكيك «الناتو» بعد حرب إيران

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​تتصاعد حدة التوترات في أروقة صنع القرار العالمي مع اقتراب عاصفة سياسية غير مسبوقة تهدد أركان حلف الناتو العسكري. يقف العالم اليوم أمام مشهد معقد يعيد رسم الخرائط الأمنية التي استقرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يبدو مستعداً للتسامح مع ما يصفه بتخاذل الحلفاء الأوروبيين في لحظات الحسم التاريخية التي تمر بها واشنطن حالياً.

​حسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية وما نقلته "إندبندنت عربية"، يدرس البيت الأبيض حالياً خطة استراتيجية شاملة تهدف إلى معاقبة بعض أعضاء الحلف. يرى الرئيس الأميركي أن هذه الدول لم تكن داعمة أو متعاونة بالقدر الكافي مع الولايات المتحدة خلال حربها الأخيرة مع إيران. وتشمل هذه الخطة المقترحة إجراءات قاسية تتضمن نقل القوات الأميركية وإغلاق قواعد عسكرية حيوية وتاريخية.

​خاض الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته مهمة دبلوماسية شاقة في واشنطن لمحاولة احتواء الغضب العارم الذي اجتاح المكتب البيضاوي مؤخراً. لقد أحدثت هذه العاصفة شقوقاً خطيرة في جسد التحالف الذي تأسس عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين. وكان الهدف الأساسي من التأسيس هو الدفاع عن الأمن الشمالي في مواجهة النفوذ السوفياتي المتصاعد، لكن التحديات اليوم باتت مختلفة جذرياً.

​أعرب الرئيس ترمب عن استيائه العميق والمتكرر إزاء المواقف المتصلبة التي اتخذها بعض حلفائه الأوروبيين في منظمة الناتو تجاه الحرب الإيرانية. لقد رفضت عواصم أوروبية كبرى تلبية الدعوات الأميركية المتكررة للمشاركة الفعالة في تأمين فتح مضيق هرمز الاستراتيجي. هذا المضيق الذي أغلقته إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، مما تسبب في أزمة طاقة عالمية طاحنة أدت لارتفاع الأسعار.

​يتجه البيت الأبيض لاتخاذ إجراءات عقابية مدروسة بعناية، رغم أنها قد تبدو أقل حدة مما حملته التوقعات المتشائمة خلال الأسابيع الماضية. لا تقتصر الخطة على الجوانب العسكرية الصرفة، بل تمتد لتشمل إعادة توزيع الثقل الاستراتيجي الأميركي في القارة العجوز. إن نقل القوات من الدول "غير المتعاونة" إلى دول أبدت ولاءً مطلقاً يمثل جوهر السياسة الخارجية الجديدة للإدارة الأميركية الحالية.

عاصفة البيت الأبيض وصدع التحالف الأطلسي

​لم يذهب ترمب بعيداً نحو تنفيذ تهديداته القديمة بالانسحاب الكامل من حلف الناتو، لكن الخطة الحالية تنطوي على مخاطر جسيمة. فالفكرة المطروحة للدراسة الجدية تشمل إغلاق القواعد العسكرية الأميركية الكبرى في دول مثل إسبانيا أو ألمانيا. هذه القواعد التي كانت لعقود طويلة رمزاً للالتزام الأميركي بأمن أوروبا واستقرارها أصبحت الآن ورقة ضغط سياسي واقتصادي في يد واشنطن.

​يتمركز حالياً نحو أربعة وثمانين ألف جندي أميركي في مختلف أنحاء القارة الأوروبية، وهو رقم يعكس حجم الالتزام العسكري الضخم. ومع ذلك، فإن العدد الدقيق لهؤلاء الجنود يختلف باستمرار تبعاً للمناورات العسكرية الجارية وعمليات الانتشار الدورية المختلفة. وتعتبر هذه القواعد مراكز حيوية ليس فقط للدفاع عن أوروبا، بل لتنفيذ العمليات العسكرية الأميركية العالمية في مختلف القارات.

​تسهم هذه القواعد بشكل مباشر وفعال في تعزيز اقتصاد الدول المضيفة من خلال الاستثمارات الضخمة وخلق فرص العمل المحلية المتنوعة. كما تشكل القواعد الأميركية، خاصة تلك الموجودة في أوروبا الشرقية، رادعاً قوياً وأساسياً ضد أي طموحات توسعية قد تظهر من جانب روسيا. لذا، فإن التلويح بسحبها أو نقلها يمثل ضربة قاصمة للأمن القومي لبعض الدول التي تعتمد عليها.

​أفاد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى بأن هناك قائمة محددة من الدول التي قد تستفيد بشكل كبير من هذه الإجراءات العقابية الجديدة. تشمل هذه القائمة دولاً مثل بولندا ورومانيا وليتوانيا واليونان، وهي دول صنفها البيت الأبيض كشركاء داعمين وموثوقين. وتعتبر دول أوروبا الشرقية على وجه الخصوص من بين الدول التي سجلت أعلى معدلات إنفاق دفاعي داخل التحالف العسكري.

​كانت هذه الدول من أوائل القوى الدولية التي أبدت استعداداً كاملاً لدعم التحالف الدولي لمراقبة وحماية مضيق هرمز من التهديدات. وبعد اندلاع الحرب مباشرة، سارعت رومانيا بالموافقة على طلبات الولايات المتحدة بالسماح لسلاح الجو الأميركي باستخدام قواعدها الجوية ومنشآتها اللوجستية. هذا التعاون السريع عزز من مكانة هذه الدول في نظر الإدارة الأميركية التي تبحث عن حلفاء ميدانيين فاعلين.

إعادة التموضع العقابي وخريطة الولاءات الجديدة

​قد تُفضي هذه الخطة الطموحة إلى نشر المزيد من القوات القتالية الأميركية بالقرب من الحدود الروسية بشكل لم يسبق له مثيل. وهو أمر من المرجح جداً أن يثير استياءً واسعاً وقلقاً عميقاً في العاصمة الروسية موسكو التي تراقب التحركات العسكرية بحذر. إن انتقال الثقل العسكري نحو الشرق يغير قواعد اللعبة الجيوسياسية التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة في القرن الماضي.

​بدت زيارة مارك روته للبيت الأبيض محاولة يائسة لرأب الصدع المتفاقم بين واشنطن وحلفائها التقليديين في القارة الأوروبية عبر المحيط الأطلسي. حاول روته تقييد ما يمكن أن يصل إليه غضب الرئيس ترمب الذي هاجم منظومة الناتو بشراسة خلال الأسابيع الأخيرة. وقد ذهب الرئيس إلى حد وصف المنظمة العسكرية الأقوى في العالم بأنها مجرد "نمر من ورق" لا قيمة له.

​قبل الاجتماع المرتقب مع الأمين العام، أعلن البيت الأبيض صراحة أن ترمب كان يعتزم مناقشة إمكانية انسحاب الولايات المتحدة نهائياً. يمثل هذا التهديد خطراً وجودياً على المنظمة التي شكلت لعدة عقود جوهر الاستراتيجية الأميركية لحماية مصالحها وشركائها حول العالم. لكن منشوراً لاحقاً لترمب على وسائل التواصل الاجتماعي لم يشر صراحة إلى الانسحاب، بل ركز على شكاواه المعتادة.

​كتب ترمب بلهجته الصريحة المعهودة أن الحلف لم يكن موجوداً عندما احتاجت إليه الولايات المتحدة في أوقات الشدة والحروب الصعبة. وأضاف في منشوره المثير للجدل أن الحلف لن يكون موجوداً إذا احتاجه العالم مجدداً في المستقبل القريب أو البعيد. ولم ينسَ ترمب تذكير الجميع بقضية "غرينلاند"، واصفاً إياها بالقطعة الجليدية الكبيرة التي تعاني من سوء الإدارة السياسية.

​لطالما كان ترمب متشككاً في جدوى حلف الناتو منذ ولايته الأولى، وقد ازداد هذا الغضب اشتعالاً في الأسابيع الأخيرة الماضية. يرى الرئيس أن أعضاء الحلف فشلوا في الاختبار الحقيقي للولاء برفضهم المشاركة في الهجوم العسكري المكثف على المواقع الإيرانية. وصرح مراراً بأن الأوروبيين سيعرفون قريباً رد فعله الحاسم على ما وصفه بالجبن والتقاعس عن نصرة الحليف.

​على عكس القادة الأوروبيين الآخرين، انتهج مارك روته نهجاً هادئاً للغاية وأظهر قدرة فائقة على احتواء تقلبات مزاج الرئيس الأميركي الصعبة. لقد وصل الأمر بروته في العام الماضي إلى وصف ترمب بلقب "بابا" في محاولة لتلطيف الأجواء وبناء علاقة شخصية. كما أشاد روته بشكل مفاجئ بالحرب على إيران، معتبراً إياها خطوة ضرورية لحماية المصالح الدولية.

مضيق هرمز والرهانات السياسية المتضاربة

​قال روته في تصريحات لشبكة "سي أن أن" بعد اجتماعه بالرئيس إنه يتفهم تماماً وجهة نظر ترمب وخيبة أمله تجاه الحلفاء. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن غالبية الدول الأوروبية قدمت مساعدات لوجيستية قيمة ووفرت قواعد عسكرية للطلعات الجوية. يرى روته أن الدفاع عن أوروبا لا يمكن أن يتحقق بشكل فعال وقوي دون الوجود العسكري والقيادة الأميركية المباشرة.

​يضم الحلف في عضويته الحالية اثنتين وثلاثين دولة موزعة على جانبي المحيط الأطلسي، تشمل قوى كبرى مثل كندا وتركيا وأوروبا. وتعتبر الدول الأوروبية هي الكتلة الأكبر والأكثر تضرراً من الناحية الاقتصادية نتيجة غلق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة والتجارة. فالخليج يمثل المصدر الرئيسي والأساسي للوقود والمنتجات البترولية التي تحتاجها المصانع والبيوت في كافة أرجاء القارة العجوز.

​أدى تعطل حركة الشحن التجاري في المضيق إلى ارتفاع جنوني وفوري في أسعار إمدادات الطاقة داخل الأسواق الأوروبية التي تعاني أصلاً. ويرى مراقبون أن الموقف الأوروبي الذي يصفه ترمب بالمتخاذل يرتبط بشكل وثيق بالحسابات الانتخابية الداخلية المعقدة في بعض الدول. فقد أشار قادة أوروبيون إلى أن الحرب على إيران تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي واختياراً لاستراتيجية خاطئة تماماً.

​تشير تقارير صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن تصاعد المشاعر المعادية للسياسات الأميركية بين الناخبين الأوروبيين يحد من رغبة القادة في الانصياع لواشنطن. هذا الانقسام الشعبي والسياسي يجعل من الصعب على الحكومات الأوروبية تقديم دعم عسكري مفتوح للعمليات الأميركية في الشرق الأوسط. ويبدو أن إسبانيا هي الدولة التي تقف الآن في مقدمة الدول المهددة بعواقب هذا الغضب الأميركي المتصاعد.

​توقع الخبير إيان ليسر أن يرد ترمب على الدول الأوروبية عبر تقليص عدد القوات الأميركية الموجودة على أراضيها بشكل جذري وسريع. وأشار إلى وجود خيارات تصعيدية متعددة يمكن للرئيس اللجوء إليها للرد على امتناع الحلفاء عن تقديم الدعم العسكري المطلوب. وقد يؤثر هذا الخلاف الحالي على المفاوضات التجارية الصعبة التي تجري بالفعل بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ فترة.

​ربما يمتد تأثير هذا الغضب الأميركي ليشمل الدعم المقدم لأوكرانيا في صراعها المستمر، مما يضع أمن القارة بأكملها في مهب الريح. وتعتبر إسبانيا الأكثر توتراً في علاقتها مع ترمب لأنها لم تلتزم بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى خمسة في المئة من ناتجها. كما منعت مدريد الطائرات الأميركية المشاركة في العمليات ضد إيران من استخدام مجالها الجوي، وهو ما اعتبرته واشنطن طعنة.

​يشعر مسؤولو الإدارة الأميركية بإحباط شديد من ألمانيا أيضاً بعد انتقادات كبار مسؤوليها الصريحة للحرب رغم أهميتها كمركز دعم عسكري كبير. كما منعت إيطاليا لفترة وجيزة القوات الأميركية من استخدام قاعدة جوية في صقلية، بينما وضعت فرنسا شروطاً قاسية لاستخدام قواعدها الجنوبية. كل هذه المواقف تجمعت لتخلق حالة من السخط في البيت الأبيض تجاه مستقبل الناتو ودور الحلفاء فيه.

​تذكرنا هذه الأحداث بقرار ترمب في عام ألفين وعشرين بسحب اثني عشر ألف جندي من ألمانيا، وهو القرار الذي ألغاه بايدن لاحقاً. لكن اليوم يبدو أن الظروف قد تغيرت، وأن الرئيس ترمب عازم على تنفيذ رؤيته التي تقوم على مبدأ "أميركا أولاً". إن بقاء التحالف العسكري الأقدم في العالم أصبح اليوم مرهوناً بقدرة القادة على التوفيق بين مطالب واشنطن ومخاوف عواصم أوروبا.

​ختاماً، يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كان مارك روته سينجح في مهمته المستحيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شتات هذا التحالف. فالأيام القادمة ستكشف عن حجم التغييرات التي ستطرأ على الخريطة العسكرية في أوروبا ومدى جدية التهديدات الأميركية بإعادة هيكلة الوجود العالمي. إن صراع الإرادات بين واشنطن وحلفائها قد يؤدي في النهاية إلى ميلاد نظام عالمي جديد بقواعد تختلف عما عرفناه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق