أمطار الموت الصامتة.. ألغام واشنطن تحوّل محيط مدن الصواريخ الإيرانية إلى حقول رعب

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​في خضم تصاعد وتيرة الصراع العسكري المفتوح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، برزت أدوات تكتيكية أميركية غير تقليدية لتغيير قواعد الاشتباك. فقد كشفت تقارير استخباراتية وصحافية متطابقة عن قيام القوات الأميركية بنثر ألغام أرضية مضادة للدروع والأفراد من الجو فوق أراضٍ سكنية وعسكرية في مدينة شيراز الإيرانية. تهدف هذه الخطوة الاستراتيجية المعقدة إلى شل الحركة تماماً حول قواعد إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية المخفية.

​حسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، فإن التحقيقات المعمقة التي أُجريت حول هذه الواقعة أثبتت ظهور أجسام متفجرة خطيرة في مناطق مأهولة جنوبي إيران. وأوضحت الصحيفة، استناداً إلى صور ومقاطع فيديو تم تداولها بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي، أن هذه الأسلحة سقطت في مناطق تقع على مشارف شيراز، وتحديداً على بُعد ثلاثة أميال فقط من مواقع سرية مخصصة لإطلاق الصواريخ الباليستية التابعة للقوات الإيرانية.

​أكد أربعة خبراء متخصصين في الذخائر والأسلحة، بعد دراسة دقيقة للصور المتداولة، أن هذه المقذوفات ليست سوى ألغام أميركية الصنع من طراز "BLU-91/B" المضادة للدروع. وأشار الخبراء في تصريحاتهم إلى أن هذه النوعية المحددة من الأسلحة لا تُزرع يدوياً، بل تُنثر عادة من الجو عبر الطائرات باستخدام منظومة تشتيت متطورة تُعرف باسم "جاتور". وتعتبر هذه الخطوة تطوراً لافتاً في سير العمليات العسكرية الجارية.

​الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة المشاركة في هذا الصراع التي يُعرف امتلاكها لمنظومة "جاتور" المتقدمة لنثر المتفجرات، وذلك وفقاً لما نقلته وكالة أنباء "الأناضول" التركية في تقريرها. وفي حين امتنعت القيادة المركزية الأميركية عن الإدلاء بأي تعليقات رسمية لتأكيد أو نفي العملية، سارعت وسائل الإعلام الرسمية في إيران إلى تسليط الضوء على الكارثة الإنسانية التي حلت بالسكان المحليين جراء هذا القصف المفاجئ.

​أعلنت السلطات الإيرانية أن عدداً من المدنيين لقوا مصرعهم بشكل مأساوي بعد سقوط هذه المقذوفات في مناطق رعوية وزراعية قريبة من قرية "كفاري" الواقعة جنوبي البلاد. 

ونقلت وسائل الإعلام عن شهود عيان قولهم إن الأجسام المتفجرة الملقاة من السماء تتخذ شكلاً معدنياً غريباً، حيث وصفوها بأنها تشبه إلى حد كبير علب الطعام الجاهز، ولكن بحجم يزيد قليلاً عن حجم علب التونة التقليدية، مما خدع بعض السكان.

تحقيقات استخباراتية تؤكد مواقع السقوط

​دخلت منظمة "بيلينجكات" المتخصصة في الاستخبارات مفتوحة المصدر على خط الأزمة لتوثيق الحدث. تمكن فريق التحقيق التابع لها من تحديد المواقع الدقيقة لبعض هذه الأجسام المتفجرة داخل قرية "كفاري" الإيرانية. وأكدت المنظمة أن مقاطع الفيديو المرصودة والموثقة جغرافياً تظهر بوضوح ما لا يقل عن ثلاثة مقذوفات خطيرة ملقاة على بُعد كيلومترين تقريباً من المدخل الرئيسي لما يُعرف بقاعدة شيراز الجنوبية، وهي إحدى أهم "مدن الصواريخ".

​تأسست منظمة "بيلينجكات" البريطانية في عام ألفين وأربعة عشر على يد الصحافي الاستقصائي البارز إليوت هيجينز. وتحظى المنظمة، المسجلة رسمياً في بريطانيا وهولندا والولايات المتحدة، بمصداقية دولية واسعة بفضل سجلها الحافل في توثيق الانتهاكات. فقد سبق لها أن وثقت استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، وأجرت تحقيقات دقيقة في أحداث عسكرية معقدة وقعت في مناطق صراع متعددة مثل ميانمار، وأوكرانيا، وروسيا، مما يضفي وزناً كبيراً على استنتاجاتها الحالية.

​أضافت المنظمة في تقريرها التفصيلي أن الإدارة الأميركية هي الطرف الوحيد المنخرط في هذه الحرب الذي يمتلك هذا النوع المحدد من الأسلحة. ولتعزيز هذا الاستنتاج، راجعت المنظمة قواعد البيانات الشاملة التابعة لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. ولم تُظهر تلك السجلات الرسمية أي عمليات نقل حديثة أو سابقة لهذه المنظومات أو الذخائر المتطورة إلى إسرائيل، مما يحصر المسؤولية التقنية والعملياتية لاستخدامها في القوات الأميركية وحدها.

​تُعرف هذه الفئة من الأسلحة عسكرياً باسم "الألغام المنثورة جواً"، وهي تقنية تتيح نشر حقول الموت من الجو بسرعة فائقة. يمكن إطلاق هذه الحاويات المتفجرة من خلال الطائرات المقاتلة التكتيكية، أو المروحيات الهجومية، أو حتى عبر راجمات الصواريخ الأرضية. وتتميز بقدرتها على الانتشار العشوائي لتغطية مساحات جغرافية واسعة جداً، حيث تظل خاملة أثناء سقوطها، لتصبح مفعلة وجاهزة للانفجار بمجرد استقرارها على سطح الأرض.

​تُجمع التقارير الدولية والمنظمات الإنسانية على أن الأسلحة المنثورة جواً، سواء كانت مصممة لاستهداف الأفراد أو المركبات المدرعة، تُصنف ضمن الأسلحة ذات الطبيعة العشوائية وغير التمييزية. وتنبع خطورة هذه المقذوفات من آلية عملها العمياء، حيث إنها مصممة للانفجار بمجرد استشعار أي حركة أو ضغط، مما يعني أنها قد تنفجر وتدمر مركبة عسكرية محملة بالجنود، أو تحصد أرواح عائلة مدنية تمر بمركبتها صدفة في نفس الطريق الملوث.

​على الرغم من ارتباط منظومة "جاتور" بالولايات المتحدة في هذا السياق، إلا أن واشنطن ليست العاصمة الوحيدة التي سعت لتطوير هذه التقنيات المدمرة. فقد سبق للاتحاد السوفييتي، ومن بعده روسيا الاتحادية، ابتكار سلسلة كاملة من المقذوفات المضادة للمركبات، وهي أسلحة مصممة أيضاً للنشر السريع والمكثف عبر الطائرات، أو المروحيات، أو منظومات المدفعية الصاروخية الثقيلة، وذلك لتعطيل تقدم القوات المعادية في مسارح العمليات المفتوحة.

​لم تكن الدول الأوروبية بعيدة عن سباق التسلح في هذا المضمار التكتيكي الدقيق. فقد نجحت ألمانيا خلال العقود الماضية في تطوير أنظمة مشابهة يمكن نثرها من الطائرات المحلقة بسرعات عالية لتغطية مساحات شاسعة. وفي الاتجاه ذاته، قامت الصناعات العسكرية الإيطالية بتصميم وتطوير مقذوفات خاصة مضادة للمركبات الثقيلة والمدرعة، والتي تمت تهيئتها ليتم نشرها بكفاءة وموثوقية عالية بواسطة المروحيات العسكرية المتخصصة في مهام الإسناد التكتيكي.

تاريخ وتقنية منظومة جاتور المميتة

​لا تُعد منظومة "جاتور" الأميركية سلاحاً حديث العهد أو وليد اللحظة في الترسانة العسكرية، بل يمتد تاريخها إلى ذروة التوترات العالمية السابقة. هي منصة تكتيكية معقدة لتشتيت المتفجرات، طوّرها الجيش الأميركي بالتعاون الوثيق مع سلاح الجو في مطلع الثمانينيات. صُممت هذه المنظومة خصيصاً لتلبية الحاجة العسكرية الملحة لزرع حقول مختلطة من المتفجرات بسرعة فائقة، وذلك عبر استخدام ذخائر عنقودية ذكية تُلقى من الطائرات التكتيكية.

​تعتمد آلية عمل هذه المنظومة على حاويات تشتيت ضخمة، تحمل كل منها ما بين ستين إلى أربعة وتسعين مقذوفاً صغيراً. تتوزع هذه الحمولات القاتلة لتجمع بين طراز مخصص لاستهداف الأفراد، وطراز آخر مصمم لاختراق الدروع وتدمير المركبات. عند إلقاء الحاوية وفتحها في الجو، تنتشر هذه المقذوفات لتمطر مساحة شاسعة على الأرض، تغطي منطقة يبلغ عرضها مئتي متر وطولها ستمئة وخمسين متراً تقريباً.

​بالتركيز على لغم "BLU-91/B" الذي ظهر في الصور الإيرانية، نجد أنه يمثل ذروة التكنولوجيا الميدانية في فئته. هو سلاح مضاد للمركبات يُلقى جواً ويعتمد في عمله على آلية تحسس مغناطيسية شديدة الدقة. يتكون هذا السلاح المعقد من حساس متطور لتحديد الهدف بمجرد اقترابه، وشحنة متفجرة رئيسية قادرة على اختراق التصفيح، ومصدر طاقة يعتمد على بطاريات ليثيوم طويلة الأمد، بالإضافة إلى دوائر إلكترونية لآلية التدمير الذاتي.

​تبدأ دورة حياة هذه المقذوفات فور ملامستها للأرض، حيث تنشط تلقائياً بعد مرور دقيقتين فقط من عملية النثر لتبدأ مرحلة التربص بالضحايا. صُممت هذه الأسلحة لتنفجر فوراً عند اقتراب أي كتلة معدنية ضخمة منها، أو بمجرد محاولة تحريكها أو إبطال مفعولها. ولتجنب بقاء الحقل نشطاً للأبد، يمكن برمجتها إلكترونياً لتدمير نفسها ذاتياً بعد أربع ساعات، أو ثمان وأربعين ساعة، أو حتى بعد خمسة عشر يوماً.

​رغم وجود خاصية التدمير الذاتي المبرمج التي تُفترض أن توفر ضمانة أمنية، إلا أن الواقع الميداني يثبت عكس ذلك. يشير تقرير منظمة "بيلينجكات" إلى أن هذه الأسلحة قد تتعرض لأعطال فنية تجعلها تنفجر قبل الموعد المحدد، أو تظل كامنة وفعالة لفترات غير معلومة تتجاوز برمجتها. هذا الخلل التقني المحتمل يجعل من الاقتراب من مناطق انتشارها مغامرة مميتة، ويحولها إلى تهديد استثنائي طويل الأمد للجميع.

استراتيجية حصار مدن الصواريخ تحت الأرض

​يُمثّل لجوء القيادة العسكرية الأميركية لاستخدام هذه المقذوفات المنثورة جواً خطوة تصعيدية متقدمة في سياق مواجهة القدرات الاستراتيجية الإيرانية. تعتمد طهران في قوتها الرادعة على شبكة معقدة من قواعد الصواريخ المبنية تحت الأرض، والموزعة ببراعة على مساحات جغرافية واسعة التضاريس. تُعرف هذه المنشآت العسكرية المحصنة إعلامياً وعسكرياً بـ"مدن الصواريخ"، وهي عبارة عن مجمعات ضخمة منحوتة ومخفية بعناية فائقة في أعماق جبال صلبة يصعب اختراقها.

​تتضمن هذه المدن الجوفية المحصنة ترسانة متكاملة تشمل مركبات إطلاق صاروخي متنقلة، ومخازن ضخمة للصواريخ الباليستية، وعتاداً لوجستياً متنوعاً يضمن استدامة العمليات. في هذا السياق، كشفت تقارير استخباراتية إسرائيلية مدعومة بصور عالية الدقة التقطتها أقمار اصطناعية، عن رصد منصات إطلاق متنقلة نجحت في الخروج من إحدى القواعد الجوفية وتوجهت نحو وادٍ مجاور. غير أن القوات الحليفة تمكنت من استهدافها وتدميرها قبل أن تُكمل مهمتها.

​تكمن القيمة الاستراتيجية القصوى لاستخدام الألغام الجوية في قدرتها الفريدة على فرض حصار فوري ومحكم على جميع مداخل ومخارج هذه المدن الصاروخية. من خلال تلويث مسارات التحرك المحتملة، يصبح خروج منصات الإطلاق المتحركة من مخابئها، أو عودتها إليها، عملية محفوفة بمخاطر الانفجار والتعطيل. هذا التكتيك يصيب الشريان الحيوي للقوة الصاروخية الإيرانية، حيث يحول الجغرافيا المحيطة بالقواعد إلى فخاخ مميتة تصطاد المركبات بمجرد تحركها في العراء.

​تُضيف التقارير العسكرية المتخصصة بُعداً آخر لأهمية هذا التكتيك، حيث تعقّد هذه الأسلحة من إمكانية تعافي القواعد المستهدفة. إذا ما تعرضت مداخل المدن الصاروخية، أو فتحات التهوية الخاصة بها، لقصف تقليدي أدى إلى تدميرها، فإن القوات الإيرانية ستحتاج لاستقدام آليات حفر ومعدات ثقيلة لفتح الأنفاق. هنا يأتي دور الحقول الملغمة لعرقلة وإفشال عمليات الإنقاذ والترميم، مما يجعل مهمة المهندسين العسكريين شبه مستحيلة ومعقدة أمنياً.

​أفاد موقع عسكري متخصص في الشؤون الاستراتيجية، أن السجلات التاريخية توثق استخداماً قتالياً مؤكداً لمنظومة "جاتور" إبان عملية عاصفة الصحراء في حرب الخليج عام ألف وتسعمئة وواحد وتسعين. استُخدمت المنظومة حينها لعرقلة حركة القوات المدرعة وتشتيت تجمعاتها. كما أشار الموقع إلى وجود تقارير استخباراتية غير مؤكدة تماماً تتحدث عن لجوء القوات الأميركية لنشر هذه المنظومة في المراحل الاستهلالية لحرب أفغانستان عام ألفين وواحد.

​تتجلى الخطورة الحقيقية للمقذوفات المنثورة جواً ليس فقط في قدرتها التدميرية الهائلة ضد المركبات المدرعة، بل في قدرتها الفائقة على إغلاق وعزل منطقة جغرافية كاملة في غضون دقائق معدودة. فبدلاً من تكبد خسائر بشرية ومادية في احتلال منطقة معينة، أو استنزاف الذخائر في تدمير طريق إمداد، تكتفي طائرة حربية واحدة بنثر حقل من المتفجرات الكامنة، لتصبح الحركة في تلك البقعة مشلولة وخطرة لعدة أيام.

سلاح التعطيل الشامل والكلفة الإنسانية الباهظة

​تُفسر هذه القدرة العالية على العزل والإغلاق سبب لجوء الجيوش لاستخدام هذه المقذوفات في النقاط الاستراتيجية الحساسة. فهي تُنشر غالباً لتطويق المطارات العسكرية ومنع استخدام مدارجها، أو لحصار القواعد اللوجستية، أو لإغلاق الممرات الجبلية الضيقة التي تشكل طرق إمداد حيوية. كما تبرز أهميتها القصوى في استهداف مناطق التجمع العسكري لحرمان العدو من حشد قواته، والأهم من ذلك، محاصرة مواقع عمل منصات إطلاق الصواريخ المتنقلة.

​يصنف الخبراء العسكريون الألغام المنثورة جواً على أنها سلاح تعطيل استراتيجي ومنع حركة، أكثر من كونها مجرد سلاح للتدمير المباشر والموضعي. الفلسفة الكامنة وراء هذا السلاح لا تركز على تدمير الهدف بحد ذاته، بل تسعى لتدمير البيئة الحاضنة والمحيطة به. فهي تستهدف تجميد شرايين الحركة المتمثلة في الطرق، ومناطق التموضع التكتيكي، ومسارات الانسحاب، مما يحول محيط الهدف إلى منطقة ميتة يصعب المناورة داخلها بأي شكل.

​هذه الفلسفة التكتيكية تفسر بدقة سبب تركيز القوات الأميركية على استخدامها حول مواقع إطلاق الصواريخ الباليستية في إيران. فالصاروخ بطبيعته يُطلق لمرة واحدة ويغادر موقعه، لكن منصة الإطلاق والقاذفة المرافقة لها تحتاج إلى مساحة واسعة للتحرك، والتموضع، والتوجيه، ثم الانسحاب السريع لتجنب الضربات المضادة. هنا يبرز الدور الجوهري للمقذوفات الجوية كسلاح مثالي لإغلاق الأرض المحيطة بالهدف، وحرمان القاذفات من ميزة الحركة والهروب بعد التنفيذ.

​رغم أن الهدف العسكري البحت من وراء نثر هذه المتفجرات من الجو حول قواعد الصواريخ يبدو مبرراً من منظور تكتيكي واستراتيجي بحت، إلا أن للعملية وجهاً آخر مظلماً يتمثل في الكلفة الباهظة التي يدفعها المدنيون العزل. وفي هذا السياق، صرح بريان كاستنر، كبير خبراء الأسلحة والأزمات في منظمة العفو الدولية، لوكالة "الأناضول"، محذراً من التداعيات الكارثية لهذا الاستخدام المفرط في مناطق قريبة من التجمعات السكانية.

​أكد كاستنر في تصريحاته أن التصميم الهندسي لهذه الأسلحة يهدف بالأساس إلى استهداف المركبات العسكرية المدرعة وتدميرها، إلا أن هذا لا ينفي كونها تظل بالغة الخطورة على أرواح المدنيين وممتلكاتهم. وأوضح أن طبيعة انتشارها العشوائي في الأراضي الزراعية والطرق الريفية، وعدم قدرتها على التمييز بين مدرعة عسكرية وجرار زراعي، يجعلها بمثابة تهديد مميت على أي شخص يمارس حياته اليومية في تلك المناطق الموبوءة.

​اتخذت مديرة مكتب منظمة "هيومن رايتس ووتش" في العاصمة واشنطن، سارة ياجر، موقفاً أكثر صرامة وحزماً تجاه هذه التطورات الميدانية، وشددت في تصريحاتها على أنه إذا تم إثبات استخدام الجيش الأميركي لمنظومة "جاتور" في إيران، وتسبب هذا الاستخدام بالفعل في وقوع وفيات وإصابات مروعة بين المدنيين، فإن هذه الواقعة تشكل دليلاً دامغاً وقاطعاً يؤكد صحة المخاوف التاريخية والحقوقية المتعلقة بخطورة الاعتماد على هذا السلاح.

​أضافت ياجر أن هذه المأساة تُثبت تحديداً وبشكل لا يقبل الشك، لماذا لا يمكن للمجتمع الدولي أن يسمح بالتراجع عن عقود طويلة من العمل الدؤوب والمفاوضات الشاقة التي هدفت إلى حظر هذه الأسلحة العشوائية بشكل كامل. وأشارت إلى أن أي محاولة لإعادة دمج هذه المنظومات في الترسانة العملياتية للجيوش لن تمر دون أن يترتب عليها أضرار جسيمة طويلة الأمد تصيب المجتمعات المدنية وتعيق تعافيها.

​تأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة والمقلقة في ظل تحول جوهري واستراتيجي في السياسة الدفاعية للإدارة الأميركية الحالية. فقد وقع وزير الدفاع الأميركي، بيت هيجسيث، توجيهاً رسمياً جديداً يتيح للقادة الميدانيين إمكانية تقييم استخدام الأسلحة المضادة للأفراد والمركبات بشكل فردي وحسب متطلبات كل حالة تكتيكية على حدة. ويأتي هذا التوجيه مع تأكيدات نظرية على ضرورة اتخاذ كافة التدابير الممكنة لتقليص حجم الضرر العرضي الذي يلحق بالمدنيين.

و​أثار التوجيه الجديد الذي أصدره هيجسيث موجة من الانتقادات الحادة في الأوساط السياسية والحقوقية العالمية. يرى المراقبون أن هذا القرار يمثل تراجعاً صريحاً عن الالتزامات الأميركية السابقة المتعلقة بالحد من التسلح العشوائي، ويفتح الباب واسعاً أمام استخدام هذه الأسلحة المدمرة في مسارح عمليات أخرى مستقبلاً. وهو ما يضع أرواح المزيد من الأبرياء حول العالم تحت رحمة قرارات تكتيكية بحتة لا تعير اهتماماً كافياً للسلامة.

​لم تتوقف تداعيات الكارثة في شيراز عند حدود الضحايا المدنيين فحسب، بل امتدت لتخلق حالة من الشلل التام في الحياة الاقتصادية والزراعية بالمنطقة. فقد بات الفلاحون والمزارعون يخشون التوجه إلى حقولهم ومراعيهم خوفاً من مصادفة أي أجسام معدنية غير مألوفة، في حين توقفت حركة النقل التجاري عبر العديد من الطرق الريفية الحيوية التي تربط القرى المتضررة بالأسواق الرئيسية في المدن الإيرانية المجاورة.

​تتطلب عملية تطهير المناطق الملوثة بهذه الأسلحة الفتاكة جهوداً استثنائية وخبرات تقنية متقدمة قد لا تتوفر بسهولة في ظل ظروف الحرب الحالية. ففرق الهندسة العسكرية الإيرانية تواجه تحديات جمة في التعامل مع منظومة "جاتور" المعقدة، نظراً لحساسيتها العالية لأي ذبذبات مغناطيسية أو اهتزازات أرضية طفيفة، مما يجعل عملية تفكيكها أو تفجيرها عن بُعد محفوفة بمخاطر مضاعفة تهدد حياة أفراد فرق الإزالة أنفسهم.

​في ظل هذا المشهد القاتم، تتزايد الدعوات الدولية المطالبة بضرورة فتح تحقيق عاجل ومستقل وشامل تحت مظلة الأمم المتحدة، للوقوف على التفاصيل الدقيقة لهذه الواقعة غير المسبوقة منذ عقود. وتأمل المنظمات الحقوقية أن يساهم هذا التحقيق في توثيق حجم الانتهاكات وتحديد المسؤوليات القانونية والأخلاقية، لمنع تحول هذا التكتيك العسكري الخطير إلى عرف سائد في النزاعات المسلحة المستقبلية، وضمان حماية الأبرياء أثناء اشتعال الحروب.

​تبقى أزمة نثر هذه الأسلحة العشوائية فوق الأراضي الإيرانية جرحاً نازفاً في سجل القوانين الدولية المنظمة للنزاعات المسلحة. فبينما تسعى الجيوش الكبرى لتحقيق أهدافها التكتيكية وتدمير القدرات الاستراتيجية لخصومها بأي ثمن، يبقى المدنيون العزل هم الضحية الأولى والأخيرة في هذه المعادلات القاسية، ليدفعوا من دمائهم وأرزاقهم ضريبة صراعات جيوسياسية معقدة تُدار أسلحتها الفتاكة من غرف عمليات تبعد آلاف الأميال عن ساحات الموت الفعلية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق