من إيقاع الشعر إلى نبض السرد.. 8 رحلات إبداعية في فضاء الأدب الإماراتي

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من تفاصيل المكان والإنسان، من رمل الصحراء وملح البحر، ومن الحكايات الشفوية التي تناقلتها الذاكرة الشعبية جيلًا بعد جيل تشكل الأدب الإماراتي. ومع تحولات الدولة الحديثة، انتقل هذا من الرواية الشفوية إلى فضاء الكتابة الواعية، ليصبح شاهدًا على التغيرات الاجتماعية والفكرية والإنسانية التي يعيشها المجتمع الإماراتي. حيث لم يعد الأدب الإماراتي مجرد نتاج ثقافي محلي، بل خطاب إبداعي متكامل يعبّر عن هوية وطن، ويثبت حضوره في المشهد الثقافي العربي، مستندًا إلى تراث غني ورؤية معاصرة تؤمن بأن الكلمة شريك أساسي في صناعة الوعي.

c582691fb5.jpg
8 نجوم في سماء الأدب الإماراتي 

«تحيا مصر» يحتفي بثمانية من المبدعين الإماراتيين، الذين أسهموا بأصواتهم وتجاربهم في إثراء المشهد الأدبي، وتركوا بصمات واضحة في مسارات الشعر والسرد والفكر. نلتقي بهم لا بوصفهم أسماء فقط، بل تجارب حيّة تعكس تنوّع الأدب الإماراتي وثراءه، وتؤكد أن الإبداع في الإمارات فعل مستمر، وحوار مفتوح بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان ومكانه.

الشاعر علي الشعالي

616fe40b6c.jpg
علي الشعالي 

شاعر، روائي، ناشر إماراتي. حاصل على بكالوريوس هندسة مدنية وماستر في إدارة المشاريع، وخريج برنامج أيوا الدولي للكتابة وبرنامج زمالة معرض فرانكفورت للكتاب.

أصدر خمس مجموعات شعرية: نحلة وربابة (2003)، وجوه وأخرى متعبة (2009)، للأرض روح واحدة (2013)، دلّوني على الكهف (2022)، العشب يشبهنا والغيم (2023)، إضافة إلى رواية الحيّ الحيّ (2020)، مجموعة مقالات حجرات ذات نوافذ (2023)، مجموعة قصصية حيوات بنكهة الرمان (2024)، ورواية اسمي عليا وهذا أبي (2025).

حازت أعماله الجوائز التالية: جائزة العويس للإبداع الأدبي، وصلت للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، ونال لقب الشخصية المكرمة في مهرجان الشارقة للشعر العربي 2024. تُرجمت مجموعته للأرض روح واحدة إلى عدة لغات ونُشرت باليونانية، الإسبانية، والتركية.

أسس مجموعة الهدهد للنشر والتوزيع (2011)، التي تضم دار الهدهد للأطفال والناشئة، ودار اللوهة للكبار، ومكتبة فلامنجو.

النصوص

اختناق

المعدن الغامق

يمرّر الأكسجين المبرّد

إلى صمتنا..

ليس وشيكًا قطعُ المسافة،

إذن..

هكذا تنبجسُ الخسارات.

 

أينصت أحد؟

شرايين بيتنا

لم تكن يومًا

وفقَ ذوقي..

وأنت تعلمين.

 

 

الشمعتان

على كتفي الطاولة

أميرتان سومريّتان..

قد نكون هنا الليلة

لأنهما

أرادتا التمرّغ بنبضنا.

لا لشيء

غير أن العرباتِ

التي أقلّتنا إلى هذا الفردوس

رغبتْ في التنزّه

على انكسارات القمر.

 

لم أجرعِ الأعنابَ بعد..

أفتاني أعمى

عَبَرَ خِلْسةً..

أنّ مرارتها

لا تتّسع لذاكرتي،

ذاتِ الليالي المَحبوكة.

 

 

كلما تولّدت الأبخرة..

أخبرني سكّين

قريب من عيني

ألّا عمر يكفي

لبلوغ المرسى؛

إمّا الانغمار في المعركة،

أو انتظارُها إلى الأبد.

 

أنا وأنتِ

جنود الهزائم المؤجّلة،

وها قد أفلتَ الرصاص

من سِمفونية القدر.

 --

نارنج

 

فنجان داكن..

فنجانان اثنان،

ها هي مسرحية الصباح

تبدأ من جديد.

قطار يحرث رأسي،

يُفرغ رئتيه بعويل ناعم،

قطار قديم

فاتته المواعيد كلها،

وآخر ينتظر العبور.

 

لِخطى عاشقيْن

تاها عن المرافئ

ينهشم الورق،

حوت هذا الممرّ،

لا ينتهي حتى يبدأ،

ظِلّه مثقّب بأصابع الشمس.

 

الخريف مهرجان خجول،

تعاقبت عليه اللعنات،

وأنتما تعيشان كذبة مُرجأة.

ينفر صباحا

بحثًا عن قبر بِرُقَع زجاجية،

أو قصر مطلّ - بلا اختيار -

على ازدحام مروريّ..

سيّان!

فولاذ يهوي على رأس صنم،

دويّ،

ليس ثمة ما يكفي من المعاول،

لخلاصنا..

ربما يشعلون الحدائق..

فالزيف نباتٌ متسلق،

يتبع الضوء..

والـمُخمل

والورق الملوّن. 

يغادر بيته

تعيده الضجة إليه،

قبل أن يبلع ريقه مرتين.

لغته نارنج ناضح،

يعصرها الملآنون،

يرشونها

على ثيابهم

المطوية بعناية،

لغة مرّة..

لا تُشبع أحدا.

سطوع.. خفوت

سطوع..

جفنان معلّقان،

زنزانة بجدران مبطّنة،

ما أخبثَ الإسفنج

حين يتواطأ مع العزلة.

 

لولا الموسيقى

لانطفأ السراج،

أقسمَ ورأسه يتدلّى

ذابلًا،

رجلاه طافيتان. 

 --

لعبة ورق

 

نحن مرايا بعضنا.

 

تكشفين بطاقة،

أفعل ذات الشيء.

 

تكشفين أخرى..

أسحب ثلاثا،

أفرشها أمامك،

كراهب يثمل بالشطرنج،

ثم يعود لسريره بمشية جنرال يوشك على النصر.

تلقين بالبهلوان،

ذي القبعة الكسلى..

تتناثر الألوان

والضحكات،

'هولّيه'،

ربيع فرد يتبختر في العروق،

نبتسم لخلودك..

ونجاتي، بالكاد.

مهلًا.. 

اللعبة لم تُحسم بعد..

تجتاحنا كهرباء الفكرة؛

النصر كذبة خشنة.

 

شحنة أخرى..

الهزيمة في حضرة من تهوى خلاص،

وإلا فالعمر قِطٌّ

يمرّ على سورِ جارك،

دون أن يلتفت.

ننهزم..

كلانا.

نجثو على رخامة،

تتوارى الأنا في مركز الأرض،

تنصهر المعادن،

تشرع أيدينا وشفاهنا في الكلام.

معجمنا صغير

لكنّه كافٍ لما يمكننا قوله،

أو ما يتسع الوقت له.

فاستمعي لغنائي باسمك..

أنصتي للّهب

في الفواصل.

وإن شئت..

فانقُشي عَيْنًا على سوارِك.

حمامتان..

وكلب صيد.

وستائر بيضاء..

تراقص النسيم.

لو كنتكِ..

لأفرغت علبة الألوان،

وأتممت ما بدأ القدر.

 ---

اخْتلاس

 

يصْعَدُني النّهار

دونما ادّعاء لـمَجْد..

أرى إلى الحياة

تُتْلى..

مِن عَلٍ..

تتهدّج أنفاسي

رُبَما

لأنّني ما زِلْت كهلًا

لا تُرهِقُه سوى الْقصائِد.

 

عاتٍ هبوبُ الذاكرة..

أريدُ حلوايَ الآن!

هذه المَرّةُ أيْضًا

أرتدّ إلى سحابةٍ

طَريّةٍ

باديَ الأمر..

أُنادي طائِرًا

لا يكترثُ بِالمسافة..

يَطفو

ريشُهُ أَخشنُ من لِقائنا.

تَتفتّح بتلاتُ الْياسمين

في الْـماء الدّافـئ..

تتكسّر،

تسّاقط تِباعًا

تُخاتِلُ الْجاذبية..

ودونَ مَوعدٍ

يَخضرّ الساحلُ

احْتفاءً بحماقاتنا المخبوءة

لِعُمرٍ

لمّا يعشبْ

في راحَتَي الحُلم.

الْبِذرة أوّلًا

ولاحقا..

هَشيمٌ 

تحت أقدامٍ عَطْشى،

بَذَّروا الوقت

ولَم يَسْتطيعوا

أنْ يَثْملوا.

هذا كُلّه في عَينيك.

في غَفلة الدهر..

تَهدُرُ الشوارع جوارَنا..

نهرُ المركباتِ

يمتدّ إلى بَيْـتيْنا

في مُدنٍ بَعيدة.

صَمتٌ، ثم صَخبٌ نَعْرفُه..

ضَفيرة

مَشدودةٌ إلى الميلاد

بِيَدِ القَدر.

جاكوتيه 

أعرف هذا المعدِن،

رجلٌ شجرة.

على كتفه

تحطّ العصافير..

تنتصت إلى أنفاسه..

تغزل صمتَه

تغاريدَ للصحو،

ومعاطفَ للشتاء.

أصابه دوار باريس..

اليَثمل الحيرى بِضجيجها،

ويتثنّى الشاعر.

علم أنّ رئتيْه

الخضراوين

لا تتسعان لهوائها المُكربَن..

ولا أذناه لحسيسِها

تسلّق الجنوب.

بعيدًا.. ذهبت روحه مرتين،

وجسدُه البارحة.

 

قطرةُ نبيذٍ في وَريد عاشق..

سمكة تنزلق إلى الزرقة..

تختفي لتحيى.

تماهى مع العشب و"الماء السريع".

أعرف هذا المعدِن،

رجل شجرة،

قلمٌ له يد.

خفيفا وخافتا

مَرّ.

وبلا تشتيت للنظر..

زرع شمعة في ظلال "غِرينيان"،

وأخرى في السماء.

همس النسيم: "الامّحاءُ سبيل الترقّي"..

الذوبانُ الألق.

 --

مازاتشو

كلما سال ذهب..

أصبحنا أقصر من ذي قبل.

بينما يضرب مازاتشو  بالفرشاة

- بعضلات لَم تنهزم -

يرثي طردَنا من الجنة،

مبتسمين ببلاهة

نحجز قبورنا الفاخرة

في كواكبَ قريبة. 

مرحبًا..

نحن العراة

المبتلّون..

الموشومون بأسمائنا الفاقعة.

- هاك يدي -

المزدادون ضآلة،

المرتجفون،

الغرباء في بيوتنا. 

ما آخرُ المنفى

- ما أوّلُه - سوى هذا الجسد؟ 

أخطبوط

يدلف إلى الرؤوس العطشى..

عبر النوافذ المشرعة،

عامدًا يمحو الخطى على الكثبان،

يزوّر 'ألف ليلة وليلة'. 

 

وُلد جدّي في السماء..

أمّا أبي ففي دهان-رأس الخيمة،

إلى هذا الحدّ

تحبّ عائلتي البدايات وعثراتها.

وما دمنا نتذكّر

فنحن في طفولة طازجة. 

 لا خناجر ولا حقن،

بدون بنادق..

يتبختر الغزاة،

يسلّموننا بطاقاتٍ جديدة،

بها صور

لا نتعرّفها،

جوارها

أسماؤنا الخماسية

مكتوبة بالكحل.

ثمة رسائل

لن يمسّها أحد،

في بريد المدينة،

تطفو واثقة..

كغبش الذاكرة

لا تقرؤه الأعين. 

 

من اليسار إلى الشرق..

أمتشق أحلامي

ينزف قلمي،

لا يُهمّني تأويلها.

---
الشاعر حسن النجار

 

إصدارات شعرية:

نخلع الظل على عتبة الباب (2023) – 

ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2024.

على وسادته مس من القلق (2017)

حمام الروح (2011)

حنين المرايا (2007)

 

المؤهلات العلمية:

دكتوراه اللغة العربية وآدابها، جامعة الشارقة (2022-2023) – عنوان الأطروحة: الجسد في الشعر الإماراتي: دراسة سيميائية تحليلية.

ماجستير اللغة العربية وآدابها، جامعة الشارقة (2016-2017) – رسالة الماجستير: المكان في شعر إبراهيم محمد إبراهيم.

 

المشاركات والجوائز:

الفوز بالريشة الذهبية في ملتقى الشعراء الطلبة العرب (تونس، 2020)

المشاركة في مسابقة أمير الشعراء (2009)

المشاركة في أمسيات ومهرجانات شعرية وورش فنية داخل وخارج الدولة

المساهمة في كتب مشتركة ومعارض فنية

 

النصوص

 

سؤالُ الوقت..

 

البابُ -مُذْ غابَ عنهُ- صارَ يُشْرِعُهُ

هنا هنا جسدٌ والروحُ تتبعُهُ

 

هو انتظارٌ لمعنى الدارِ خارجَهُ

من غيرُهُ يخلقُ المعنى ويبدعُهُ

 

وكلما مرَّ ظلٌّ مالَ حيثُ خطا

يصدِّقُ الظلَّ والأوهامُ تخدعُهُ

 

يدنو، فيشهقُ، يتلو: "ربما وعسى"

ينأى، فتزفِرُ بالتأفيفِ أضلعُهُ

 

فنجانُ قهوتِهِ قد مسَّهُ شجنٌ

فمنذُ دهرٍ ولا فنجانَ يقرعُهُ

 

وفي الدِّلالِ كلامٌ كلما ذرفتْ

بُنًّا شجيًّا ولكن من سيسمعُهُ

 

لو كانَ جُبًّا لَقُلنا رُبَّ قافلةٍ

تأتي على بهجةِ الأقدارِ ترفعُهُ

 

تمرُّ مثقلةً بالغيثِ ذاتَ ضحىً

لكنْ إلى حيثما قد كانَ تُرجعُهُ

 

والروحُ قد هَرِمتْ من فَرْطِ ما انتظرتْ

ورقَّ، حتى سؤالُ الوقتِ يوجعُهُ

 

وأوهنَ العمرُ.. والمرآةُ قد شَحُبَتْ

وصارَ يَهذي ببيتٍ كانَ مطلعُهُ

 

يا للغيابِ! متى تأتي؟!

تُعيد ليَ المعنى،

وتغلقُ بابًا كنتُ أشرعُهُ

 

"حتى الغيابُ تُجدد صلاحيتُه، ويُمعن في قدرِهِ المكتوب".

--

أشجارٌ  وارفةُ الحزن

 

كانتْ فناجينُها تشتاقُ لَمَّتَنا

وغايةٌ لو ترى ظلاًّ وضحكتَنا

 

كانتْ تسامرُ طيفاً حينَ غائبُها

يلوحُ في بالِها غيثاً وقدْ هَتَنا

 

يظلُّ مَقْعَدُهُ الخالي يُطالعُها

مُحدِّقاً في حكاياها ومُفتَتَنا

 

تظلُّ تبصرُهُ ضوءاً سيحضِنُها

يا ظنَّها.. وأحسَّ الضوءُ خيبتَنا

 

 

تشيرُ: أنْ هذه الأشجارُ تخنقُها

وتحجبُ الشمسَ، يؤذيها تسلُّقُها

 

وأنَّ أشواكَها بالعمدِ تجرحُها

فخطوةٌ في فِناءِ البيتِ تؤرِقُها

 

كانت تقولُ.. وما في البيتِ من شجرٍ

حتى الستائرُ كانَ الضوءُ يرهقُها

 

لأنها أرضَعَتْنا ما المجازُ وما

عطرُ الكناياتِ.. ها إنا نصدِّقُها

 

تَحيكُ من صبرِها عُمْراً.. مضى العُمْرُ

وتسألُ الإبرةَ العمياءَ: ما الصبرُ؟!

 

هذي الخيوطُ خُطى دمعي تسيلُ على

القُماشِ قافلةً أودى بها السيرُ

 

ترتاحُ في مَشجبِ الأيامِ ما صنعتْ

يدايَ.. أما نصيبي عُلبةٌ قَفْرُ

 

وهكذا أنا.. قد أطعمتُ أزمنتي

مواسمَ الصبرِ.. حتى رمَّدَ الجمرُ

 

 --

حزنٌ بسيط..

 

حزنٌ بسيطٌ.. وها قد مسَّ رقتَها

أجرى بما تثقلُ الأيامُ دمعتَها

 

كانت تخبئ شيئاً خلفَ ضحكتِها

بل خبَّأتْ كلَّ شيءٍ آهِ ضحكتَها

 

سماءُ بوحٍ يضيقُ الغيمُ دكنتَها

فكسَّرت دونَ قصدِ الماءِ جرتَها

 

ظلت تقولُ وفي العينينِ أغنيةٌ

تطولُ.. إذ كدَّستْ عمراً وغصتَها

 

ومن بصيصٍ من الآمالِ حيثُ مضتْ

تَشيدُ في زحمةِ الآلامِ شرفتَها

 

كانتْ هناكَ تُربِّي الضوءَ، تُطعمُهُ

وقودَ أيامِها.. تقتاتُ مهجتَها

 

كانت وكانت وضاقَ الكونُ أجمعُهُ

حتى رأت أبهجَ الألوانِ أبهتَها

 

لم تعرفِ الحزنَ إلا حينَ غادَرَها

عطرُ النهاراتِ والفقدانُ شتَّتَها

 

 

الفقدُ فاصلةٌ ما بينَ أزمنةٍ

مضتْ وبين زمانٍ  حانَ.. أفلتَها

 

للتيهِ.. للوجعِ الآتي.. مواسمُها

بدتْ خريفًا.. وصارَ الضيفُ وَحشتَها

 

كأنها حجرٌ يهوي.. فينبئُنا

صدى الحقيقةِ أنَّ القاعَ فتَّتَها

 

روحًا حطامًا وأيامًا ممزَّقةً

فأدمنتْ بعد طولِ الصبرِ عزلتَها

 

وأيقنتْ أنَّ يوماً ما سينقذُها

طوقُ الإيابِ بأنْ تجتازَ موجتَها

 

--

 

الشاعرة شيخة المطيري

 

شاعرة إماراتية وعضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ورابطة أديبات الإمارات، وجمعيات مكتبات إماراتية وبريطانية.

الشهادات العلمية:

•      بكالوريوس اللغة العربية وآدابها – جامعة الوصل

•      ماجستير المكتبات والمعلومات – الجامعة الأمريكية في الإمارات

•      طالبة دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية – جامعة الشارقة

النشاط الثقافي:

•      المشاركة في الملتقيات الشعرية داخل وخارج الدولة لأكثر من 20 عاماً

•      تأسيس نادي الشعر ولجنة نون الشباب في ندوة الثقافة والعلوم – دبي

•      التحكيم في مسابقات الشعر وورش الكتابة الإبداعية

الجوائز والتكريمات:

•      وصيفة الشعر، مسابقة أمير الشعراء 2019

•      المركز الأول، جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية في الشعر الفصيح 2022

•      الشخصية المكرمة في مهرجان الشارقة للشعر العربي 2023

•      درع المنجزين العرب – شرم الشيخ 2016

•      المركز الأول، مسابقة الريشة الذهبية – إيطاليا/الإمارات

الإصدارات:

•      مرسى الوداد (2009)

•      للحنين بقية (2014)

•      يا أكثري وأقلي (2016) – مترجم لعدة لغات

•      وأظن أنا (2020)

•      فاصلة نقطتان (2023)

•      مشاركات في كتب جماعية مثل قائمة (2011)، حديث العزلة (2021)، صباح الخير يا باريس

 

النصوص

في الهزيع الأخير من النخل

 

شاعر

 ضم خيمته 

في الهزيع الأخير من النخل

شد وثاق الرحيل 

سائراً نحو فجر السراة 

سائلاً عن حقيقته في الحياة 

 

الغدير الوحيد يُسبّح 

في هدأة الهجر 

في مطلع الفجر 

يا باسقات النخيل 

توضأن بالنور 

آن لهذا المسافر أن يستريح قليلاً 

يعلمنا الصبر

 يسكننا عبرة وهديلاً 

يقيم الصلاة 

ويسجد فوق التراب الغريب 

يطيل السجود 

وهذا التراب يطيل النحيب

 

غريبان 

في الشعر والهجر والكسر 

والأمنيات 

غريبان 

ماذا يقول الغريب؟ 

 

تنام اللغات 

على كتف الزمن المستفيض انتظارا

ونحن الذين ولدنا من الشوق 

نأتي حيارى 

نروح حيارى 

 

نكرر أسماءنا في القصيدة 

مذ كان شاعرها 

ضم خيمته 

في الهزيع الأخير من النخل 

ثم تساقط وجهي حد التعب 

ومثلي

 تساقط كل الذين أضاعوا مع الحزن 

درب الرطب 

 

وحيدين كنا.. 

نخاف التعلق بالأرض 

والأرض فيها تخون العيون 

فلا الماء ماء 

ولا الحب حب 

تساوى الغياب بكل الحضور 

وحيدين جئنا 

يسموننا العابرين 

على قلق الوقت نهذي 

فيا من بكى

 في الهزيع الأخير من النخل 

 

حان العبور 

 

 

أبوظبي 

الجمعة 21 فبراير 2025

 

---

موت
يموت وحيدا 

وفي قلبه شجر لا يموت 

شجن مثقل بالبيوت

شوارع أصحابه

ضحك امرأة عابر 

مسحتان من الموت 

درب قديم 

يموت وحيدا 

وفي فمه عطش 

والبكاء المريض مصاب 

بذاكرة من قلق 

يحاول أن يطفو الآن فوق التراب 

ولكنه تائه في الغرق 

 

 

 

الجمعة 3 يناير 2025

 ---

أعمدة

 

 الأعمدة المستلة من صمت الشارع

الحاوية الكبرى

قط ينظر للأعلى دون مواء 

وبكائيات حيرى

 

جارات يقطفن حكايات الجارات

فنجان أزرق 

كان يغني 

البن موسيقاه

وسكره 

لو تدرك يوماً معناه 

 

حافلة الأطفال المنسيين 

ركضت

 خلف المدرسة المهجورة 

لا أجراس ستقرع 

لا ريشة سوف تمر على اللوحة 

لن يتذكر أحد حين يعد 

ليبحث عن كل المندسين

 

واحد 

وحدي 

وأطالع من شرفة هذا البيت 

أرى 

اثنان 

وأرى اثنين يلوحان 

وثلا.. 

السور المرتفع تمرد 

والعمر المكسور تمرد 

وتجرد من قلبي قلبك 

يا الله وكيف تجرد

 

الأعمدة المنسلة من صمت الشارع

باردة وبلا مأوى 

تلقي في الحاوية الكبرى 

كل سلالات الأضواء 

ورسائلنا 

وعيوناً لم نعرف يوماً كيف تخون

 

يرتبك الليل 

يعد الورد الميت 

يدفنه في حقل بكاء 

يرتبك الليل

أغلق نافذة الأحياء

 

 

 

الجمعة 3 يناير 2025

 

--

 

الشاعرة مريم الزرعوني

 

 

 

شاعرة وكاتبة إماراتية، صدرت لها دواوين شعرية وروايات وقصص قصيرة في مجموعات مشتركة.

-حصلت على جائزة العويس للإبداع ووصلت إحدى إصداراتها القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، كما حصل ديوانها الأخير "لم يعد أمرًا ذا أهمية" على جائزة “إسكريديويندي” لأفضل كتاب أدبي عربي مترجَم إلى الإسبانية، في معرض مدريد الدولي لكتاب 2025.

-باحثة ماجستير في الأدب والنقد، وسكرتيرة تحرير مجلة الدراسات الفلسفية، والمسؤولة الثقافية في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النصوص

 

حاسّةُ الوقوفِ

 

خُذ يديّ

خذِ اللمسَ برمّتِهِ

فقد سئمتُ مسَّ الغريبِ

وتسريبَ الجروحِ من ثقوبِ الرّوحِ

خذِ المرايا، وسطوحَ الماءِ الصقيلةَ

لا حاجة لي بالصّورِ عوَضَ الأصولِ

وهاكَ اشتعالاً تيّهتهُ الفتيلةُ

وخذْ أيضاً هذا الصّدى

الذي استنسخَ كلَّ الحناجرِ

هذا المثابرُ..

غالبَ سرعةَ الصّوتِ،

لكنّه ما ذبّ عن حنجرتِهِ

حين قوّرتها الخناجرُ

وخذِ العالمَ،

بلِ العوالمَ كلّها

فلا هي تغني عن بواعثِ النّدمِ..

ولا تردّ الذي كنّا نردّدُ حيالهُ تعاويذَ الإقامةِ،

فأبطلْها وارتحلْ

ودعْ ليَ ساقينِ لا تنثنيانِ،

ولا تراوِدُهما خطيئةُ الجلوسِ،

وهما اللتانِ اعتنقتا أبديّةَ الوقوفِ،

 إلى حدِّ السّماءِ،

والاستطالةَ إلى حدّ التّلاشي،

والفناءِ..

دعْ لي حاسّةَ وقوفٍ لا تتبلّدُ،

أو ينتابُها المللُ،

حاسّةٌ، لا تخاتِلُها القُبَلُ.

--

عندما يهرم النّهر

كنتُ أقطنُ في بيت أحلامٍ، إلى عامي هذا،

على ضفّة النهر ككُل الجاحدين،

الذين يعتادون النعيم.

صبيةٌ مدلّلةٌ، سوّلت لها سذاجتها،

 أنّ الظمأ أسطورةُ الصّحارى.

كنتُ أشبهه في تَحَدّرهِ، 

حتى ظنّ الناسُ، أنني صخرةٌ من قاعهِ.

لكنّني كنتُ أسهو عنه كثيرًا

وأصبرُ على ظمأٍ طويلْ..

 أشرب على عجلٍ،

وأشرَقُ بالرّواء حينًا.. 

وأنا أرى على وجهه صورةً شمسية للموت،

تقول: مرحبًا.. نحنُ هنا!

صُمتُ مرّةً ولم يراودني الظمأ طويلًا،

حتى جزعتُ على عذبِ الحياة،

فعاودتُ العبَّ

وقلتُ: ها قد ارتويتُ،

والنهر أبدًا باقٍ إلى جانبي،

وربما مللتُ إطلالته مرّات ومرّات،

فأشحتُ بوجهي عنهُ،

حتى اشتدّت مواجدي.

مرّ دهرٌ من الظمأِ،

وقد كان النهر الهَرِمُ في المشفى،

لكنّه ما عادَ،

هناك يزعُمونَ أنّه غافَلَهم

في قيلولتهم،

 وخرج يبحثُ عن نهرٍ يرويه..

--

 

قدمان خارج الطريق

 

أُمرّن في عقلي يَدَينِ،

ترسمان الصّور المحذوفة من ذاكرتي،

وتتراجعُ رعونةُ الضباب.

يدان ترسمان معا بَراحَةً..

تصير في الصباح موقفا للحافلات،

وفي المساء يجيء الولد الوسيم،

يخطط ملعب كرة القدم، ويختار اللاعبين،

يومئ برأسه حين أُطِلّ من سطحنا،

أَلمعُ في عينيه كلّما هبطت الشمس..

يغادر الولد الوسيم بقدمين خارج الطريق،

يُعرّج على بيتنا،

ويستلّ الورقة التي خبأتُها في قضبان النافذة.

أبيتُ أحرس البراحة من النّبْت المتطفّل،

ويدا عقلي تهُشّان الضباب.

--

 

 

الشاعرة نجاة الظاهري

 

شاعرة من مدينة العين، تكتب الشعر الفصيح والشعبي، لها ثماني مجموعات شعرية، ومشاركة في العديد من الأمسيات داخل وخارج دولة الإمارات. حاصلة على العديد من الجوائز الشعرية أبرزها وصيفة أمير الشعراء في الموسم العاشر من برنامج أمير الشعراء، كما حصل ديوانها "علق" على جائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب في فئة أفضل إبداع أدبي لمؤلف إماراتي عام 2023.

النصوص:

كرسي غير مرغوب به

 

دعهُ

ولا ترجعهُ

واترك ما تمادى من فراغٍ حول طاولتي

ينشّزُ في الغناءِ

لم أنتظر أحداً

ولم أسأل دخاناً هارباً

من شمعةٍ محبوسةٍ

عمّن

تعوّدهُ الغيابُ

وضلّ عن دينِ اللقاءِ..

،

دعْهُ

ولا ترجعهُ

عندي "دفترٌ"

والعقلُ يثقلهُ ارتباكُ الفلسفاتِ

أحتاجُ وقتاً ها هنا

جنبي

وآخر في يدي

لا تشغل العدمَ اللذيذَ

بأيّ كرسيٍّ

ولا أيّ انفلاتِ

خذ ما يريدُ الآخرون من اشتهاءاتٍ

وسجّلها

ودعني..

لا أريدُ من المكانِ سوى تجنّبِ الالتفاتِ..

،

دعهُ

ولا ترجعهُ

تشغلُ فكرتي هذي المساحةَ

عن صراخ المقصلةْ

عمّا تحسُّ إذا هوتْ قصدَ العناقِ

على رفيقٍ

وهي مغمضةً

فتبصر بعدها رأساً هنا

جسداً هناكَ

وليس من نفَسٍ يعبّرُ عن هوىً

بل "آهةٍ" متعطّلة..

،

عن

متعَبٍ

قصدَ العمودَ

عمودَ ضوءٍ في الطريقِ

ليستريحَ من الحياةْ

من مرّهُ من عابرينَ

تجاهلوهُ

تجاهلوا

برداً يواري ما تبقى من حطامِ الدفءِ في أنفاسهِ

ويداً تحاولُ أن تدسَّ جبينهُ

عن قطرةِ المطرِ الصقيعةِ

وهيَ من

كم سقفَ بيتٍ قد بنتْ

كيلا ترى المطرَ الجباهْ..

،

دعهُ ولا ترجعهُ

يشبهُ أن تعيدَ الراحلينَ

إلى وجودٍ لا يناسبهم

وأن تلغي قوانينَ القبورِ..

مرتاحةٌ

من دونهِ

ونوافذ المقهى تضجُّ بمن يشاركني حضوري..

لا ترجع الذكرى

ولا تصدمْ صفاءَ الواقعيّ

بمستحيلٍ أغبرِ

وحدي أتيتُ إلى المكانِ

ودونما أحدٍ سأمضي

إنّ الخيالَ مع الكراسي الفارغاتِ

يثيرُ بي ما لا أريدُ

تأمّلي

وتحسّري..

 --

أسّ المصائب

 

فقلبي أساسُ جميعِ المصائبِ

إلّم أكن أشعر الآنَ بالحبِّ

لن يخدشَ الروحَ

خطوُ الفراشةِ

وهي تسيرُ رويداً رويداً

بعيداً

عن الوردةِ الذابلةْ..

وإلّم أحسَّ بأنّ اللطافةَ أمرٌ مهمٌّ

لما بكتِ العينُ

من مشهدٍ في المسلسلِ

فيهِ الغزالةُ تصرخُ

من طلقةٍ

قاتلة...

وإن كنتُ أشعرُ أنّ المبالاةَ وهمٌ

لما اهتزّ صدري

لطفلٍ يفتّشُ بينَ الزحامِ

تبلّلَ بالخوفِ

يبحث عن أمّه

الراحلة..

وإن قنُعتْ هذه النفسُ بالصدِّ

عن كلّ شيءٍ

وكلّ البرايا..

لما بهدلَ العمرَ

وحشُ اكتئابي..

ورُتّبَ بالقسوةِ العادلة..

ولكنّ قلبي

يخالفُ ألا يُحسَّ بشيءٍ

ويختارُ دوماً طريقَ البقاءِ

على الأرضِ

-أرضِ المشاعرِ-

مهما تكنْ مُرةً

قاحلة..

فإلم يكنْ ليَ قلبٌ

وروحْ

فماذا أسمّى؟

سوى عدمٍ موغلٍ في الوضوحْ..

--

 

الشاعر محمد الخالدي

 

 

شاعر ونفساني من دولة الإمارات العربية المتحدة. يكتب الشعر منذ ٢٠١١. له ديوان بعنوان (تحديق) نُشر مع دار الرافدين في ٢٠١٩ وتُرجم إلى اليونانية مع هيئة الشارقة للكتاب في ٢٠٢٤

 

النصوص

أربع ساعات في متحف الللوفر

 

ورقٌ يحمله الباعةُ قبل البابِ

بعد البابِ حُلمٌ

تُشتَرى الدهشةُ.. يُهذى باسمها..

وجبتْ طاعَتُها

كيف لا تفغرُ فاهًا؟

كيف لا تصفِرُ هذي الريحُ في أْذْنيكَ؟

قل لي.. كيف لا تستيقظُ الرهبةُ في نومِ فؤادكْ؟

أبليدٌ أنتَ؟ هل أُدخلتَ خْلسةْ؟

تُسقِط التذكرةَ الآن كمن يحمِلُ نفسهْ

تتمشى دون أن يثقبك الوجدُ مرارًا

تتملّى في التماثيل وتمضي

نافضًا عن كتفيك الحيرةَ

لا تأبَهُ بالمُلْكِ

فأشعارُ العبيدْ

بقيت فوق اللحودْ

ربما يجذبك السجادُ

لا شيءَ سوى وقعِ الخطى من حوله

أو داخلَ الخيطِ الرقيقْ

حينما تخترقُ الروحَ نقوشٌ للرقيقْ

رقعةُ الشمسِ أو الزهرةُ في بطنِ العقيقْ

يعبرُ العينينِ سربٌ من بروقْ

ثم تمضي..

نافضًا عن كتفيكَ النقدَ والتفكيكَ

بعدَ البابِ نهرٌ

***

نحن للنومِ نسيرْ

نحن في النومِ نسيرْ

باهتٌ في الحدقاتِ العيشُ.. لا شيءَ يُنيرْ

عتمةٌ في الذاتِ

والعظمُ رمادٌ لم يخاطبهُ لسانٌ من لهبْ

لم يَذق طعمَ العجبْ

نحن من زادوا على الدنيا فراغًا

نكتري بالمالِ وقتًا

فسحةً ندخل فيها آمنينْ

حصةً من خلواتِ الميّتينْ

نسكن الأعمدةَ البيضاءَ للمتحفِ

- إذ نحرسُها –

ولنا قُدّاسُنا السريُّ في لوحِ اللغاتِ البائدةْ

تتساوى خُطبةُ القائدِ/وصفُ النعلِ في أقدامِ جندٍ/بيتُ شعرٍ فاحشٌ/أو آيةٌ زائفةٌ

قيلَ: وفي تذكرةِ المتحفِ ذكرى صامدةْ

من زوالٍ نحنُ..

بعد البابِ نهرٌ

***

قوةٌ في الصبحِ..

للشمعِ شروقٌ أولٌ

صالةٌ ملأى بأخشابٍ وفحمٍ

وجلودٍ دُبِغتْ بالأمسِ

لطخاتٌ على الأرضِ وكفٌّ فارغةْ

رُهِنتْ بالأمسِ فرشاتي وقيل:

"ارسم خلاصًا للحيارى وعزاءً للحزانى

واستعن بالدمِ إن شئتَ وإلّا سوف تُطرَدْ"

بصري من قبلهم كان مُشَرَّدْ

يتبعُ الطيرَ من العُشِّ لأطرافِ السماءْ

يحرسُ القدحةَ حتى تستوي ويواسيها إذا ما هُجِرَتْ واختبأتْ في الجمرِ

حتى موتِها يحرسها.. حتى البكاءْ

في عروقي شفقٌ خصبٌ وخيلٌ صامتٌ

إنّي طلاءْ

كلّما نشّفتُ وجهي يختفي

ناقصًا، جافًا، ولكن "نابغةْ"

*

كسلٌ في الظُهرِ

إيقاعٌ ثقيلٌ

لحظةٌ خارجَ هذا البيتِ تأتي مرةًّ

يُصلَبُ الناسُ لأجلي مرةًّ

حينما يكتملُ المشهدُ آتي

ترتخي الأعظُمُ في تنهيدةٍ

تتعالى صَرَخاتُ الباعةِ في السوقِ

تدورُ المبخرةْ

يسقطُ الضوءُ تمامًا

وأنا محضُ طريقٍ يتقفّى أثرهْ

لحظةٌ لم تُذهِل المارّين فيها

لحظةٌ عاديةٌ في الأرضِ.. عندي غيرها

قلتُ: هذا زمني.. أُطلِقُهُ في الزمنِ الآتي.. فقد يُقبِلُ بعدي شاعرٌ

بعدها.. أبتاعُ خبزًا ثم أمضي

*

شغفٌ في الليلِ

أصحابي وضوحي

حكمتي في الضَحِكِ المتبوعِ بالكحةِ

صدقٌ لاذعٌ..

تمتلي الصالةُ تبغًا ورُؤًى

تعبٌ.. جوعٌ.. وقلبٌ دافئٌ

أدخلُ الحلمَ وأعمالي على الحائطِ

لم أكسب سوى صوتي وصحبي يومَها

لم نقل: للشجرِ المرسومِ ظلٌ آخَرٌ

إنّني حُرٌّ كما لا يشتهي غيرِيَ

بعد البابِ نهرٌ

***

سَعَةٌ في المالِ والوقتِ

وهذا الضيقُ يكفي

قُبَّةٌ يُسدَلُ منها حائطٌ

مثل جفنٍ خلفَهُ كونٌ فسيحْ

ملءُ هذي الأرضِ لحظاتٌ حبيساتٌ.. وريحْ

حَمَلَتْها بالبريدْ (نحوَنا.. طيِّبَةً)

- ربما في الريحِ بارودٌ وخوفٌ –

كلُّ حُسنٍ بارعٍ فيه جُمودْ

عَلَّهُ يستيقظُ الآنَ بعيني زائرٍ

خاملًا.. عطشان يأتي.. لا يعي

أن هذا الضيقَ مرجٌ شاسعٌ

أنه في نسمةٍ لا تنتهي

ألبَسَها الراحلُ طوقًا من خلودْ

ربما يمضغهُ كالعجلِ

أوراقٌ على البابِ تُباعْ

بعدها الإعجازُ معروضٌ مَشاعْ

وهدايا تُشتَرى بالمالِ والحيرةِ والإعجابِ

لا ندري

فبعدَ البابِ نهرٌ

***

أنا الزجاجُ

بلا ضوءٍ يمرُّ

بلا ضوءٍ يقيمُ

انعكاسٌ بعدَهُ جسدُ

أمعنتُ في خارجي

إذ ليس يمنحني تأملي غير أخباري..

فأُفتَأَدُ

حاولتُ أن أُخمِدَ الرؤيا

لمحتُ يدًا تذوي بداخل جيبٍ

قلتُ: تلك يدُ

ضيّعتُ في خُمُرِ المعنى فمي ودمي

مُذ هِمْتُ في وصفِ ما يدنو ويُلتَحَدُ

أمشي وأذكرُ رسمًا

مسَّني كِبَرٌ في القلبِ

لكنه -المنهارُ- يَتَّئدُ

حتّامَ أختمُ في تُبدي المدامعُ؟

لا أبكي من العجزِ

لا كِبْري ولا الجَلَدُ

سأَعْبُرُ الآنَ..

بعد البابِ قافيةٌ مسحوقةٌ

لغةٌ مائيةٌ.. بَرَدٌ

قد جرَّبَ الآخَرونَ الصوتَ

قد نفخوا في البوقِ

قد نحتوا في الموتِ

قد صمدوا

أريدُ من حائكِ الأيامِ مغزلهُ

وحكمةَ الشَّعرِ فيما ينطقُ الوتدُ

مغمورةٌ طل أشعاري بأدمعهمْ

يحتاجُ أن يشربَ المنحوتةَ الكبدُ

أقولُ للحرفِ: سافرْ

سوفَ أجوزُ النهرَ

في الضفةِ الأخرى سنَتَّحِدُ

 

أبوظبي الرابعُ والعشرون من فبراير – 2023 

--

 

القاصة لولوة المنصوري

 

باحثة ميدانية وقاصة وروائية إماراتية. لها عدة إصدارات أدبية، 

وتكتب في عدة صحف ومجلات ثقافية محلية وعربية. 

 

صدر لها عن هيئة أبوظبي للثقافة كتاب عن تاريخ الماء في دولة الإمارات ، بعنوان : تنوير الماء . 

كما صدر لها عن معهد الشارقة للتراث دراسة بحثية

بعنوان : ( ماء الحجر )، مفردات الماء في جبال الحجر .

 

صدر لها في الرواية :

 آخر نساء لنجة 

 خرجنا من ضلع جبل 

قوس الرمل 

 

صدر لها في القصة : 

 

القرية التي تنام في جيبي 

قبر تحت رأسي 

عندما كانت الأرض مربعة 

 

ومن الإصدارات الأدبية التي قامت بإعدادها وتوثيقها : (قفص الأمواج ) . مقالات أحمد راشد  ثاني في المعنى والوجود . صدر عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات 2024

 

وكتاب : ( لنا المدى والظلال) .. قصائد من الإمارات . صدر عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات 2024 في طبعة مزيدة ومنقحة . 

النصوص

 

قبر تحت رأسي

 

عندما أنجبت (حفصة) ولداً  صحيحاً سليماً تذكرت أن تفي بنذرها القديم الذي بسطته بحرقة وهوان عند آخر قبر من قبور الأجنة التي حدث أن  طمرت نفسها في جدار الرحم ، وانغرست وعششت ومدت أصابع إسفنجية منمنمة ، تؤرجح  الأغشية وتدغدغ الأوعية ، مهيجة أولى بوادر الغثيان الصباحي عند حفصة ، ثم سرعان ما رفضت الاحتواء المظلم في الحجرة الدنيوية الأولى ، مستعجلة هطولها على النور المتدفق في الخارج .

 تتمرد الأجنة في رحم حفصة ، تمزق الجدار ، تدفع  بساقها الحبل السري، تنفصل عن جسدها  ، ترتطم برأس الشيطان ، ثم تسقط ميتة. 

 

(غانم )

 يكبر ملتصقاً في حجر حفصة ، يتقدم خفيفاً في الدهليز الشاسع للنور ، تسقط سرَّته المنفوخة في وعاء الاستحمام الصباحي ، تلتقط حفصة السرَّة بنشوة وفخر ، ينتشر الدمع من عينيها على قماط الطفل ، تفكر بتمعن وخوف ، تتساءل : أين تدفن السرَّة المسرّبة للسرد الغيبي لغانم ؟   

أحلاماً وأمنيات معلقة في جزيء لحمي ذي رائحة  حارة منبعثة من فصيلة ترابية ، تراب أحمر هائج سقط تواً في الوعاء المائي ، تراب وماء نسيجان ملتحمان في جذع شجرة ، أيكة خضراء وارفة بالظل والضوء المرتل عبر الصباحات المشرقة بالبخت السعيد .

فإلى أين تمشي حفصة لتدفن السرَّة ؟

تمشي النساء عادة بسرر الأطفال المتساقطة من الجسد نحو أتربة المساجد .

لكن حفصة مشت  بسرية تامة إلى الندود الرملية على البحر ، ألقت سلاماً على زرقة الماء في الخور ، بابتسامة الروح ائتمنت الخور على السر ،  ثم راحت تطمر سرّة الطفل بعيداً عن أعين منابر المساجد التي شهدت طمر أسرار الأطفال تحت جسد الجدران وحول أعناق البئر منذ قرون. 

تغمس حفصة جسدها في البحر، تتطهر، ترجع إلى وليدها وعلى صدرها تعويذة ، لتجلس محصّنة في عدة الأربعين يوماً .

غانم يكبر وبطنه مشدود إلى حضن الأرض ، يزحف إلى قدمي حفصة ، يلتصق بطرف ثوبها ، لتهبط عليه رائحة التكوين المشيمي ، يرفع رأسه إلى أعلى ويناغي بمشقة وألم. 

تنتبه حفصة إلى الرأس الضخم الذي يهبط على رأس غانم ، ومائلاً باتجاه الصدر. 

تذعر حين تتذكر نميمة النسوة اللاتي شبهن طفلها غانم بجسد النَّد على رأس الخور. 

  ترفع الطفل إلى صدرها ، تتلو على رأسه  سورة الناس فيتضخم قلبه ويصرخ عند آخر آية (من الجِنَّة والناس ).

تهرول حفصة نحو طاسة أسماء الله الحسنى ، تسكب الماء المرقي في الطاسة الفضية ثم ترشه على وجه غانم ، و تدمغ الماء في نبتة (الخشخاش) ، تسكبه في ريق الطفل ، فينام إلى المساء في سبات التخدير ، تنجرف هي مع كوكبة النسوة  إلى حطب الجبال.

غانم  يكبر رأسه وينتفخ بطنه ، يمد ذراعين وساقين قصيرتين  مع انفلاجات رؤؤس الأصابع ، يمشي في الزقاق  ملتصقاً بجسد الجدار، وحين يهتف الصبية خلفه كالوعول ، يتصايحون ويتقافزون على الندود الرملية  (القزم غانم .. الدب غانم ).

يضع الطفل غانم عينيه في أرض الزقاق ، يهبط  إلى حوش البيت المشرع في وجه الشماتة ، تتداخل أصوات انحدار الحجارة على الجبال في صدره ، الحجارة التي تتقزّم أكثر تحت وقع ضرب الديناميت في الجبال ، ويتقزم معها غانم في العمق العميق من دخان الجسد الغائب.   

     غانم يكبر ، مع الصبية الذين استؤصلت منهم  القطعة اللحمية  للجزء السفلي الذكوري ، وقذفت في البحر أو إلى أفواه الدجاج على الساحل، ألبسته حفصة دشداشة بيضاء وطوت جرحه بإزار هندي ، ضُربت الدفوف وغرد المزمار وذبحت الخراف ورزف الرجال وطبخت النسوة  اللحوم ، واحتدم الجدال على القدور بين فقراء الجبال عند تقسيم حصة الطعام . 

وحين التفتت حفصة ، لم يكن لغانم من أثر.

كان الصبي  يجلس مع الكلاب الضالة في وحدته مغلفاً بالسواد ، صاعداً على أشلاء أمواته إلى الأعالي ، حيث الند الرملي المكتنز بأسرار السرد القادم نحوه.

تلال المقابر الفارعة على  المد اللولبي  الرملي المعانق للبحر، الأرض العارية ، الفراغ المتناهي من الوحشة العذبة .

غانم يستمد مقوماته من الأرض ، تسكنه الدهشة : ( ما أقرب هذه الأرض العذراء المتخمة بالعدم إلى النفس البشرية التي تهوى العزلة ! العزلة هي الأنس وإن كانت في مقبرة ، المقبرة هي الحرية  ) .

تركض حفصة باتجاه غانم ، وتعترض أفكاره بزمجرة الأم .

غانم يطوي صفحة العزلة ويتنفس جواً خانقاً من الكآبة  ( أمي أحقيقة أن على أحد هذه الندود دفن أشقائي الذين لم تكتمل رؤوسهم ؟)

تصمت حفصة.

يلح غانم : ( لماذا دفنت أسراري معكِ قرب الموتى ؟)

تناثر في نسيم البحر شحوب حفصة ، تسربت إليها رائحة الأجنة الميتة من تحت الند الرملي الذي تقف عليه: ( لم أشأ أن أقذف بك في باطن المساجد بعيداً عني ، المساجد لا تؤوي الأجنة الميتة ولا تستودع ما تساقط عن أجساد النساء من أسرار ، المساجد يا ولدي للأحياء الذين يصلون الله بحبل الصلاة ، أما الأجساد فوصالها حبل سري أبدي ، الجسد يفتش عن رائحة الدم في وعاء الأرض ).

***

غانم يكبر ... يتقدم إلى الأمام ، وينطلق فوق كل الحدود الممنوعة والمسيّجة بحبل سري وراء الأقنعة والألغاز .

من خلف غانم يضرب الإعصار الأرض

 ينبجس البحر

 ينفتح الخور .

تنحسر النّدود عن بلدة كبرى قلبت كبد التاريخ  وتعرت بالضوء الأصفر  كالشمس العمودية الثاقبة .

الأجساد الصغيرة الواهية تتطاير للبعيد.

 يتشبث الرجال بما نقبه الإعصار في الأرض من إرث عظيم يدعى ( جلفار) .     

غانم يلتصق بجذع نخلة سامقة تضرب جذورها في رحم الأرض .

تستغيثه أمه بأن يلقي إليها سعفة نخيل أو حبلاً تنجد فيه جسدها الهزيل المتطاير عن الندود الرملية. 

يحملق غانم في وجه أمه المتقاذف في الريح بعيداً ، يلوِّح لها مودعاً بوقار أبله ، ويعتذر بصوت خافض بلا اكتراث :( آسف أمي ، غير أنها ليست غلطتي كما تدرين ، كل شيء محكوم عليه بأن يتوارى بعيداً ، وسيأتي دوري أنا أيضاً كالأجنة التي فضّت حبلك السري عنها وسقطت تحت هذه الندود ).

أمه باتت خلفه وجلفار صارت أمامه ..

 

 ويبدأ السرد  ...

   يموت الماضي على يديّ غانم بعدما تنهض من تحت الندود الرملية على خاصرة خور معيريض جرات من الذهب من بين رفات التاريخ .

يصيح الماضي في وجه البشر الذين تساقطوا مع غانم على الذهب وتبعثروا على الندود في جشع : ( هنا جلفار .. اتركوا الحقيقة تسجلها الأرض ، الحقيقة الأزلية للأموات ، اتركوا الأرض للسرد القادم  ).

ويكبر غانم ، غانم الذي كان يصعقه أطفال القرية بالقزم الدب ، راح  اليوم ينزلق في خندق الأرض ويغترف الذهب الذي ذابت فيه أعضاء بشرية (أظافر أطفال / أضراس لبنية / حوض امرأة مكسور / أذرع وسيقان طويلة تكالبت في عناق منسجم ، يفككها غانم ليقيسها على جسده ويفكر باستعارتها ليكتمل العنصر البشري الناقص فيه، لكنه يعدل عن الفكرة منزلقاً للأسفل ، يحفر عميقاً أكثر وأكثر حيث القتامة الرابضة على جسد الذهب .

يكبر غانم في ملح البحر ، يسرق ذراعاً أسطورية من جسد الخور الشائخ على الموت ، يطوق الأرض بحبل سري من الصكوك ، يرش الفجاجة على الساحل ، يبعثر فوضى الأبنية ويفتح الأمواج للغرباء ، الشقراوات ينثرن زوبعة العري الفظة في قلوب الصِّبية ، فيتراجع الصبية على استحياء إلى البيوت ذات الملامح المحرمة ، تجرهم الفطرة الناصعة ، ليقدحوا بشعار غانم القزم خلف ظهورهم ويستجيبوا لفكرة الصوم عن النظر.

يكبر غانم برائحة السر  ملتصقاً بزقاق القرية .

القزم يمد ذراعيه وساقيه بين أزقة جلفار ، يسند شفتيه إلى جدار بيتي ، يشم صيامي ،

 ويقحمني في السرد القادم ..

القزم غانم  الذي كان شاهد حب للندود الرملية على الساحل وشاهد انبثاق جلفار من تحت الأرض ، يقحمني الآن في سرده.

يطالب كل تعويض عن ذرة تراب أجلستُ فيه بيتي على خلايا حبل أمه السري المطمور مع أجنتها الميتة.

يقول إن هذه الأرض تحتي هي سرّه وأسراره وسرده وفاتحة سيادته القادمة.

وعليَّ التنازل عن كل ذلك بانحناء مبجل .

يراوغ ويتشدق بالمقبرة العارمة التي تناسلت فيها الكنوز بالجماجم تحت أرضي .

الأرض تطلبه ، وتريده هو دون غيره لبسط ملكية الجذور والتاريخ .

كان بوسعي أن أدعس هذا القزم وأردم قصة المقبرة في صدره برفضي المطلق للتنازل عن وجودي الذي شيدته على كفَّة سخية من ذراع الندود القديمة.

إلا أني اكتفيت كأنثى وحيدة لا ذراع لها وﻻ سقف ولا باب بأن أنحني إلى وجهه المحملق بشراهة في جدارن بيتي ، وأبصق ..

أبصق..

أبصق..

إلى أن يغرق وجه القزم في الأرض وينحدر مع بيتي الذي ينزلق مع الزمن في الطين ، ويهبط تدريجياً عن سطح الأرض ، تاركاً جسد الإسفلت يخنق الحبل السري لحفصة والأجنة المتساقطة ورائحة السرَّة البعيدة عن المساجد، والتي أقحمت سيرة  جلفار في سرد مبهم جائع نحو الحقيقة . 

أين الحقيقة ؟

لا أدري

وﻻ يدري غانم

وﻻ حفصة تدري

لكني أعرف أن ثمة مقبرة كبرى تغط أسفل بيتي ،  وتحديداً أسفل رأسي .

 وتحت سريري ينام قبر أحدهم ...

قبر غانم؟

قبر حفصة ؟

قبر الحبل السري والأجنّة ؟

قبري ؟ 

قبري؟

هل قلتُ  قبري ؟

--

القاص محسن سليمان

 

كاتب وقاص من دولة الإمارات العربية المتحدة، حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. شارك في العديد من الملتقيات الأدبية محليًا وعربيًا.

 

النصوص:

 

قصة قصيرة

الحدود

"عن الغربة واغنية الحدود..والسيد حافظ"

 

تضيئ مصابيح الليل ويظهر وجه المدينة الموازي، عندها يصبح من السهل التعرف إليه بعد أن كان مثل رجل في جزيرة نائية، ينثر الاوراق على أطراف المنضدة كما يبدأ كل مساء، يحرك يديه بسرعه وينطر الصفحات الواحده تلو الاخرى، يرفع نظارته الطبية ويعلقها على تجاعيد جبهته فيحتدم الصراع الواقع بين السطور.. يرتجف كتفه ويصرخ القلم السائل في شخصياته، يمتلئ قلبه بالحنين تارة والحسرة تارة أخرى حول تعقيدات الحدود ..

تهب على وجهه ابتسامة فاترة مثل زجاجة ماء بدرجة حرارة الغرفة، يرتسم حاجبه على شكل سؤال يمجً الدخان بجمود ويسرح..

أنظر إليه على أنه قطعه أثرية جار عليها الزمن وركنها في غرفة مشتركة على مرتبة مفردة في الدور الحادي عشر، في عمارة مكتضة بالعزاب وكردورات تفوح منها رائحة أعقاب السجائر. 

 يعود إلى شبابه وهو يتجاوز الحدود، يلتفت وينظر إلى الأسفل لحظة ظهور النيل الجميل، يتذكر اشياء تسللت اليه بغتة، تتبدل الصور سريعاً في ذهنه، ينظر إلى الأهرامات وهي تختفي..

يعود إلى صوت الجيران والزحام وضجيج الباعة الجائلين من أجل حياة أخرى لعله يلملم شيئاً من ضياع العمر، وأملاً بمجد جديد .. 

يشرب القهوة المرة وينتظر الفرج، أسأله عن معنى الوجود ؟ فيلملم دمعة شارده ويومئ بأجوبة مالهاش حدود..عن أيام الصبا والشقاوة داخل الترام المتحرك من باكوس الى سيدي بشر ..

يبحث عن اسم لشخصية البطل ويدندن: أنا مصري اسمي زي السحر يرفرف في المكان .. ايوه مصري اشتقت لروحي.. في شقة الجيزة المتفرع من شارع الترسة والمكوجي والبواب والناس العزاز ..

ينظر إلى ما بين يديه متأملاً الورق المقسم إلى ثلاث خانات المحتشد بالفراق والألم والخذلان.

يستعرض الحدود التي عطلته كثيراً بين القاهرة ودبي - القاهرة و الكويت - القاهرة و الشارقة- القاهرة والاسكندرية ويظل يكتب حتى الهجيع الاخير من الليل، اذكره  بـ(مسرحية السندريلا) الكويتية وموسيقاها الأثير وماتركتها من حنين لدى جيل الطيبين..

يدندن بحزن عميق "وابتدى شيئ ينجرح جوه الوجود وابتدينا اسئلة ملهاش ردود"..واصفاً وجه زوجته المريضة والريف والمدن وأول عمره في حواري بحري و سيدي جابر وقصر ثقافة الأنفوشي والطريق إلى قلعة قايتباي..

يدخل في شخصية المغترب باحثاً عن ذاته بعد المنتصف الأخير من خريف العمر والسنة في مقهى السلطان الكائن على شارع الهرم ..

يثب على الواقع المرير فيلوي عنق الحقيقة لتعويم فكرته، فيحكي عن النوادل ومعلمي رص الشيشة وتقاطيع الزبونات وحواراتهن مع محبي نفث هواء الحكي وشرب السحلب وشاي الكشري..

يدخل النادل الشاب بكوب الماء، يرفع وجهه ويراه واقفاً أمامه مستشعراً شعاعاً يخرج من عيني الشاب المقبل على الحياة كأنه يقول: "هذا آخر كوب أقدمه قبل الهجرة".. يرى فيه نفسه وشبابه العشريني أيام الأماني والأحلام العريضة. فرّت منه دمعة.. "وابتديت أكتب وانا فوق السحاب ابتديت يا حبيبي في أول جواب مصر انتي حته مني مش مجرد اسم وطني".. 

وضع النادل الكوب على المنضدة واستل كاتبنا ورقة جديدة ورسم خطاً عريضاً على الترويسة ،واستحدث شخصية النادل وخلع عليه اسمه الثلاثي..يكتب سريعاً حتى لا ينسى نظرات النادل الشاب وملامحه التي بدت تشبهه عندما كان في عمرة، غادر النادل المكان ولكنه جعله متسمرً امامه، لا يغادر الورق ولا المكان ولا الحدود.. يمج نفساً طويلاً "كنت فاكر يا مصر اني تعبت منك واكشتفت اني محال استغنى عنك".

تعكرت رائحة معسل التفاح الذائبة التي التصقت بالفحم والقصدير، نزع معلّم الشيشة رأس الحجر ونفخ فيه ليزيل الرماد القديم..

 يثبّت الكاتب اقدام الشاب ويرسم مستقبله، يسحب الماء الفاتر من الشيشة، يسمع صوت فوران الماء دون أن ينتبه إلى أن الشيشة خالية من رأس الفحم ومزاج النكهة.. ولكنه يشعر بنشوة السحبة ويظل يمج من صدره الهواء طويلا بلا حدود..

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق