نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي, اليوم الاثنين 20 أبريل 2026 02:53 صباحاً
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والاجتماعية، لم يعد العمل الثقافي ترفا نخبويا أو نشاطا هامشيا، بل أصبح أحد أعمدة التنمية الشاملة وصناعة الهوية الوطنية. ومن هذا المنطلق، جاء «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» الذي استضافته الرياض الأسبوع الماضي يومي 15 و16 أبريل 2026م، بوصفه حدثا تجاوز كونه تجمعا مهنيا، ليشكل محطة مفصلية في مسار بناء منظومة ثقافية أكثر نضجا واستدامة.
الملتقى يعكس إدراكا متقدما لدور القطاع غير الربحي في المشهد الثقافي، فقد اعتدنا لسنوات طويلة على هيمنة المؤسسات الرسمية أو المبادرات الفردية، واليوم برز نموذج ثالث أكثر توازنا ومرونة، واستطاع أن يسلط الضوء على قدرته في سد الفجوات وتماسك الحوكمة، والوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع، وتحفيز المشاركة المجتمعية في إنتاج الثقافة. وهنا تجلت أهميته الحقيقية وهي تحويل الثقافة إلى مشروع جماعي، يتشارك في صناعته الجميع.
ما لفت الانتباه في هذا الحدث لم يكن حجمه فحسب، والذي شارك به نحو 1500 مشاركا و60 متحدثا، بل طبيعته التفاعلية التي ابتعدت عن الطرح النظري التقليدي، فقد ركز على ورش العمل، وجلسات المشورة، ولقاءات الشراكات، في إشارة واضحة إلى تحول نوعي من «الحديث عن الثقافة» إلى «العمل في الثقافة». هذه النقلة كانت ضرورية للنمو والاستدامة، حيث إن التحدي لم يعد في طرح الأفكار، بل في القدرة على تحويلها إلى مبادرات قابلة للتطبيق ومستدامة الأثر.
والذي لا يقل أهمية، أن الملتقى وضع التكامل في أسس معادلته، فقد جمع بين صناع القرار والممارسين والداعمين والمتطوعين والمهتمين في مساحة واحدة أتاحت الحوار المباشر وبناء الثقة. وهذا بحد ذاته كان إنجازا، لأن أحد أبرز معوقات العمل الثقافي غير الربحي كانت في تشتت الجهود وغياب التنسيق. ومع تقاطع الرؤى وتوحيد الجهود، أصبح من الممكن الحديث عن أثر حقيقي، لا مجرد مبادرات متفرقة.
كما أن حضور التمكين كفكرة مركزية في الملتقى عكس تحولا استراتيجيا مهما، فلم يقتصر الأمر على الدعم المالي، بل امتد إلى بناء القدرات وتعزيز الحوكمة وقياس الأثر. هذه عناصر جوهرية لضمان استدامة أي عمل غير ربحي، حيث إن الثقافة - حتى وإن كانت أهدافها نبيلة - تحتاج إلى إدارة احترافية تضمن استمرارها وتأثيرها.
ومن زاوية أوسع، نقرأ هذا الملتقى كجزء من مشروع وطني أكبر يعيد تعريف دور الثقافة في التنمية، فلم تعد الثقافة مجرد تعبير عن الهوية، بل أصبحت أداة لصناعتها وتطويرها، بالإضافة إلى أنها رافد اقتصادي واعد، وجسر للتواصل مع العالم. وفي هذا السياق، جاء تمكين القطاع غير الربحي ليعني توسيع قاعدة الإنتاج الثقافي، وإتاحة الفرصة لأصوات جديدة وأفكار مبتكرة وتجارب محلية.
أتذكر مقولة لسمو ولي العهد حفظه الله عندما قال في أحد اللقاءات التلفزيونية: إننا سنستغل كل فرصة تصب في مصلحة اقتصادنا وتخدم الوظائف والتنمية.
لم تقتصر قيمة هذا الملتقى على أيامه القليلة، بل امتدت إلى ما يمكن أن ينتج عنه من شراكات ومبادرات وتحولات طويلة الأمد. الملتقى أتاح الدعوة مفتوحة لكل من يؤمن بأن الثقافة مسؤولية مشتركة، وأن المستقبل لا يبنى بالمؤسسات وحدها، بل بالمجتمعات الحية القادرة على المشاركة والتأثير. وإذا كان قد نجح في تحقيق جزء من طموحاته، فإنه يكون قد أسهم بالفعل في وضع حجر أساس لقطاع ثقافي غير ربحي أكثر حيوية، وأكثر قربا من الناس، وأكثر قدرة على صناعة الأثر المنشود.
Barjasbh@

















0 تعليق