الخليج شريك في صناعة قرار المنطقة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الخليج شريك في صناعة قرار المنطقة, اليوم الاثنين 29 يونيو 2026 02:10 صباحاً


لم يكن الاجتماع الوزاري الأمريكي الخليجي الذي استضافته المنامة مجرد محطة بروتوكولية في إطار الشراكة التقليدية بين واشنطن ودول مجلس التعاون، بل جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية يتقاطع فيها التحول في ميزان القوى مع إعادة تشكيل منظومة الردع في الشرق الأوسط ومع دخول المنطقة مرحلة جديدة عنوانها إدارة الأزمات بدلا من حسمها. ولذلك فإن قراءة البيان الختامي أو التصريحات الرسمية بمعزل عن السياق الاستراتيجي ستقود إلى استنتاجات لا تقل أهمية عما لم يعلن وما تمت الإشارة إليه بين السطور ربما يفوق في دلالاته ما ورد في النصوص الرسمية.

الرسالة الأولى التي خرج بها الاجتماع تتمثل في أن الولايات المتحدة لا تزال ترى الخليج العربي الركيزة الأساسية لترتيبات الأمن الإقليمي حتى وإن كانت أولوياتها العالمية قد تحولت بصورة متزايدة نحو آسيا والمحيط الهادئ.

فواشنطن تدرك أن أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية وحماية طرق التجارة البحرية لا يمكن ضمانها دون شراكة أمنية عميقة مع العواصم الخليجية. ومن هنا فإن إعادة تأكيد الالتزام الأمريكي بأمن الخليج لم تكن مجرد طمأنة سياسية بل كانت إعادة تثبيت لقاعدة استراتيجية مفادها أن أي هندسة جديدة للشرق الأوسط لن تتم من دون مشاركة خليجية مباشرة.

لكن الرسالة الخليجية بدورها كانت أكثر وضوحا وربما أكثر عمقا. فدول المجلس لم تعد تقبل بأن تكون متلقية لنتائج التفاهمات الأمريكية الإيرانية كما كان يحدث في مراحل سابقة، بل أصبحت تطالب بأن تكون طرفا مؤثرا في صياغة أي ترتيبات أمنية تمس المنطقة. وهذه النقلة تعكس تحولا في الفكر السياسي الخليجي من مرحلة الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية إلى مرحلة الشراكة في صناعة القرار الإقليمي. وهذا بحد ذاته يمثل تطورا استراتيجيا يعكس تصاعد الثقل السياسي والاقتصادي والعسكري لدول المجلس خلال العقد الأخير.

ومن هنا يمكن فهم التركيز الكبير على أن أي اتفاق مستقبلي مع إيران يجب أن يراعي مصالح دول الخليج. فالقضية لم تعد مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وحده بل باتت تشمل منظومة أوسع تتعلق بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والشبكات المسلحة المرتبطة بطهران وأمن الملاحة البحرية والتوازن العسكري في الخليج العربي. وبذلك فإن دول المجلس تحاول نقل النقاش من ملف نووي محدود إلى مفهوم شامل للأمن الإقليمي، بحيث تصبح جميع مصادر التهديد جزءا من أي تفاوض مستقبلي.

أما الولايات المتحدة فهي تبدو وكأنها تحاول إدارة معادلة دقيقة للغاية. فمن جهة لا ترغب في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران لما تحمله من كلفة اقتصادية وعسكرية وسياسية. ومن جهة أخرى تدرك أن أي تنازل كبير لطهران سيؤدي إلى اهتزاز ثقة الحلفاء الإقليميين بالضمانات الأمريكية. ولذلك فإن واشنطن تتحرك ضمن سياسة يمكن وصفها بسياسة الردع المقيد، أي الحفاظ على القدرة العسكرية الكافية لمنع التصعيد مع ترك الباب مفتوحا أمام التسويات الدبلوماسية عندما تتوافر الظروف المناسبة.

وفي المقابل فإن إيران تراقب هذا الاجتماع بعناية لأنها تدرك أن توحيد الموقف الأمريكي الخليجي يقلص هامش المناورة الذي استفادت منه خلال السنوات الماضية. فكلما زادت درجة التنسيق بين الطرفين أصبحت قدرة طهران على استثمار التباينات السياسية أقل تأثيرا. ولهذا فإن طهران ستكون مطالبة خلال المرحلة المقبلة بإعادة تقييم أدواتها الإقليمية، خاصة إذا شعرت بأن واشنطن وحلفاءها الخليجيين يتجهون نحو بناء منظومة أمن جماعي أكثر تماسكا.

ويبرز في هذا السياق ملف أمن الملاحة البحرية باعتباره أحد أهم المؤشرات على طبيعة المرحلة المقبلة. فالتأكيد على حرية الملاحة لا يتعلق فقط بحركة السفن التجارية بل يعكس إدراكا مشتركا بأن أي اضطراب في مضيق هرمز أو الممرات البحرية المحيطة به ستكون له تداعيات تتجاوز المنطقة لتصيب الاقتصاد العالمي بأكمله. ولذلك فإن حماية هذه الممرات أصبحت جزءا من الأمن الاقتصادي الدولي وليست مجرد قضية إقليمية.

كما أن الاجتماع كشف بصورة غير مباشرة عن تطور مهم في طبيعة العلاقات الخليجية الأمريكية. ففي الماضي كانت الشراكة الأمنية هي العنوان الأكبر للعلاقة، بينما أصبحت ملفات التكنولوجيا والاستثمار وسلاسل الإمداد والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني تشكل اليوم بعدا موازيا وربما لا يقل أهمية عن التعاون العسكري. وهذا يعني أن مفهوم التحالف بين الطرفين يتحول تدريجيا من تحالف دفاعي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

ومن زاوية أوسع فإن توقيت الاجتماع يحمل دلالة لا يمكن تجاهلها. فالمنطقة تمر بمرحلة إعادة اصطفاف سياسي غير مسبوقة، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية مع الانفتاح الخليجي على قوى دولية أخرى مثل الصين والهند ودول آسيوية صاعدة. وبالتالي فإن واشنطن لم تعد تتعامل مع الخليج باعتباره ساحة نفوذ مضمونة بل باعتباره شريكا يمتلك خيارات متعددة ويستطيع تنويع علاقاته الدولية بما يخدم مصالحه الوطنية. وهذا الواقع الجديد يفرض على الإدارة الأمريكية صياغة علاقة أكثر توازنا تقوم على المصالح المشتركة وليس على معادلات الهيمنة التقليدية.

وربما يكون أهم ما كشف عنه اجتماع المنامة هو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة عنوانها إدارة التوازنات بدلا من صناعة المحاور. فدول الخليج تسعى إلى الحفاظ على شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه تنفتح اقتصاديا على آسيا وتحافظ على قنوات تواصل مع إيران، وتسعى إلى تهدئة الصراعات الإقليمية دون التفريط في مصالحها الأمنية. وهذه السياسة تعكس نضجا استراتيجيا يقوم على تنويع الخيارات وليس الارتهان لخيار واحد.

ولهذا فإن اجتماع المنامة لا ينبغي النظر إليه باعتباره حدثا دبلوماسيا عابرا بل باعتباره مؤشرا على إعادة رسم قواعد اللعبة الإقليمية. فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت نفوذها دون الانخراط في حروب جديدة. ودول الخليج تعمل على تحويل ثقلها الاقتصادي إلى نفوذ سياسي واستراتيجي. وإيران تحاول المحافظة على أوراق قوتها مع تجنب مواجهة شاملة. وبين هذه المسارات الثلاثة تتشكل معالم شرق أوسط جديد لن تحسمه القوة العسكرية وحدها بل ستحدد ملامحه القدرة على إدارة التوازنات وبناء التحالفات وصناعة المصالح المشتركة.

ولذلك فإن القيمة الحقيقية لاجتماع المنامة لا تكمن فيما صدر عنه من بيانات بقدر ما تكمن في الرسائل الاستراتيجية التي حملها وفي الاتجاه الذي يشير إليه بشأن مستقبل النظام الإقليمي خلال السنوات القادمة.

alatif1969@

أخبار ذات صلة

0 تعليق