نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المدن بعقلية ما بعد الحداثة, اليوم الأحد 17 مايو 2026 12:24 صباحاً
المدن لم تعد كما كانت ناتجة عن تفاعل اجتماعي أو تجربة إنسانية تراكمية؛ بل أصبحت صنيعة تطوير عقاري يلهث وراء الاستثمار الاقتصادي. مدن تحاول أن تكون مختلفة عن غيرها ولكنها تعجز عن ذلك لتبدو متشابهة في كل شيء، في شوارعها، وفي مبانيها، وفي واجهاتها الزجاجية، وحتى في روحها. المشاريع العقارية نفسها التي تجدها في مدينة ما تتكرر تماما في مدينة أخرى مع محاولة استعارة بعض المفردات العمرانية من التراث المحلي؛ لكن واقع الإنتاج الحضري نفسه لا يعزز مبدأ الانتماء للفراغ بقدر ما يؤكد على تسويق المكان. هذه المفارقة العجيبة تذكرني بتلك المرأة التي تخضع لعمليات تجميل مكثفة لتحاول التميز عن غيرها؛ لكنها تصبح متشابهة إلى حد التطابق مع الجميع!
المدن في مرحلة ما بعد الحداثة تميل إلى استحضار الهوية العمرانية وعكسها كشكل بصري لزيادة جاذبيتها. أصبحنا نسمع كثيرا عبارة «تسويق المدن» من منطوق ترويجي خالي من التنمية الحقيقية للإنسان حين يتم استدعاء الرموز والمفردات العمرانية المحلية لتصبح مجرد قشور ظاهرية يتحول معها المكان إلى علامة تجارية. إن هذه الهوية العمرانية المصطنعة أو العلامة التجارية لا تعبر عن الثقافة الحقيقية ولا تنعكس عوائدها على المجتمع وليست ناتجة عن تجربة اجتماعية حقيقية أو تراكم تاريخي وثقافي.
أرى أن الإشكالية في المدن المعاصرة ليست في بناء الهوية الحضرية وإنتاج «مدينة المعنى» بل في تآكل المكان نفسه، ففي عصر التدفقات أصبح المكان المادي ينحسر واستبدلت العلاقات الاجتماعية بالعلاقات الافتراضية.
الأدبيات الحديثة في التخطيط العمراني تتناول هذه القضايا بجدية، فالفضاء العمراني أصبح موجها للاستخدام أكثر من كونه فراغا يعزز الانتماء والمعنى، مما أنتج مدنا مصطنعة، وقابلة للتعليب، ثم التصدير لأي مكان في العالم. كما أدت التحولات الحديثة في المدن بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والشبكات إلى تقليل أهمية المكان الجغرافي، فالمدن الحديثة أصبحت تعتمد بشكل كبير على الحركة والتدفقات المعلوماتية والاتصال، وهو ما يعني أن المجتمع مرتبط بالفضاء Space أكثر من ارتباطه بالمكان Place.
يرى David Harvey أنه في ظل التسارع في تطور أنظمة النقل والاتصالات بدأ المفهوم التقليدي للمكان بالانحسار ولم يعد معبرا عن الهوية؛ بل أصبح قابلا لإعادة الإنتاج والاستبدال. كما يجادل بعض الباحثين أن عقلية التخطيط العمراني التي تستحضر أفكار ما بعد الحداثة وتحاول خلق أنشطة تصنع الحياة الحضرية في المكان هي عقلية كلاسيكية.
يوما بعد يوم تؤكد لنا هذه التحولات الكبرى في المدن الحاجة إلى إعادة تعريف الهوية المرتبطة بالأصالة والتجربة المحلية، فهي التي تميزنا عن غيرنا. ولكن التحول الكبير في الأنظمة الذكية يقلل من الاعتماد على المكان نفسه، وهو ما يعني أن اعتماد الحياة على المكان بدأ يقل أو لنقل إن مفهوم المكان تغير. صحيح أن المكان نفسه لم يختف تماما، فنحن نعيش ونسكن في مساكن ونتفاعل في محيط مادي؛ لكن طبيعة علاقة الإنسان بالمكان تغيرت وأصبحت قابلة لإعادة التشكيل، فلم يعد المكان نفسه صنيعة جهد تراكمي اجتماعي كما كان، مما أنتج فراغا حضريا لا يعكس الواقع. على أي حال، ليس لدي مشكلة بالاعتراف بغياب الهوية، ولكني أشعر بالتعجب لأن المدينة المعاصرة تعيش حالة فصام صارخ، فهي تنتج أماكن مكررة بلا روح وفي الوقت ذاته تدعي أنها تنتج هوية.

















0 تعليق