سايكس - بيكو جديدة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سايكس - بيكو جديدة, اليوم الأربعاء 8 أبريل 2026 11:39 مساءً


لو نظرنا إلى تاريخنا المعاصر في المشرق، فسوف نجد - باستثناء حرب السويس وحرب الاستنزاف والإنجاز العسكري في حرب رمضان - أنه منذ قيام الاستعمار البريطاني بالفصل ما بين مصر والسودان عام 1899، وتم التقسيم الفعلي ما بينهما، ومن بعده جلس مارك سايكس Mark Sykes، المستشار السياسي البريطاني، والدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو François Georges-Picot في مفاوضات تقسيم منطقة الشام: ما بين 1915 - 1916، حتى اتفقا على رسم خارطة جديدة للشام في الاتفاقية المعروفة باتفاقية سايكس - بيكو Sykes- Picot Agreement، منذ ذلك الوقت ومنطقتنا تشتعل وتمر بأحداث جسيمة، وتتعرض لضغوط تهدف إلى تحجيم قدراتها وتدميرها، أذكر منها:
وعد بلفور (1917)، ثم النكبة: قيام إسرائيل (1948)، وتثبيت الانفصال (رسميا) ما بين مصر والسودان بعد أن كانتا دولة واحدة، وذلك في شهر يناير 1956، ثم حرب السويس في شهر أكتوبر 1956، ومن بعدها حرب اليمن (1962 - 1967)، ومن بعدها النكسة (يونيو 1967)، وحرب الاستنزاف (1969 - 1970)، وحرب رمضان (أكتوبر 1973)، ثم خروج مصر من معادلة القوة العربية، وبعد ذلك بدأت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، والاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان (1982 - 2000)، ثم حرب الخليج الثانية (يناير 1991)، وخروج العراق هو الآخر من معادلة القوة العربية، بعدها تم احتواء الانتفاضة (1993)، ورأينا صعود التيارات المتطرفة والإرهابية المتلبسة بالدين (منذ التسعينيات)، والاحتلال العسكري للعراق (2003) وبشر الرئيس بوش (الابن) شعوب المنطقة بنظام «ديمقراطي ليبرالي» في العراق، ونشر الديمقراطية في المنطقة... وانتهى الأمر بدخول المنطقة إلى مرحلة ما يسمى بـ»الربيع العربي» (منذ 2011)، وهي المرحلة التي ما زلنا نعيش في تبعاتها: وأخطرها الصراع المائي الذي يدور حول سد النهضة، وتدمير سوريا، والحرب الأهلية في السودان، وفي ليبيا، حتى وصلنا أخيرا إلى حرب إيران (الجديدة) التي يستدرجون العرب - والعالم - إليها بكل وسيلة: دبلوماسية وغير دبلوماسية، إلى حد تطاول الرئيس ترامب لفظيا على قادة أوروبا وتهديده لهم بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي، وقوله إن الدول المستفيدة من مضيق هرمز هي التي يجب أن تقوم بفتحه (ومضيق هرمز كان مفتوحا قبل أن تشن أمريكا الحرب!)
هذه الأحداث التي مرت أمامنا تستحق أن ندرس مدلولاتها بعمق، بدلا من أن ينصب اهتمامنا على اتهام بعضنا بعضا: في عقولنا... وديننا!

والهدف الواضح من كل ما يجرى هو هدم كيان الدول القائمة حتى يتم إعادة تشكيل المنطقة، كما صرح نتانياهو بذلك أكثر من مرة، آخرها في 16 سبتمبر/أيلول 2025 بقوله: نحن سوف نغير وجه الشرق الأوسط We will change the face of the Middle East.

وما «تغيير الوجه» هذا سوى إعادة رسم خريطة المنطقة، كما سبق في اتفاقية سايكس - بيكو!

ولو نظرنا جيدا إلى هذه الأحداث سوف ندرك أن منطقتنا يتم التعامل معها على أنها كتلة واحدة يجب إضعافها كلها دون تمييز ما بين مختلف دولها وشعوبها... وأن ذلك يتم بالتدريج: دولة دولة، وإقليما إقليما: وفي كل مرة يتم اختلاق الظروف المناسبة، ثم تأتي الضربة!

وقد مر التعامل مع المنطقة بأربع مراحل: المرحلة الأولى كانت مخصصة أساسا لتحجيم مصر وتحييد أي نفوذ لها في المنطقة: سواء نفوذها ما بين الدول العربية، أو على مستوى العالم الثالث: خاصة في أفريقيا. وبالتزامن مع ذلك تم تقوية نفوذ بديل في إثيوبيا: حيث إنه نفوذ غير عربي وغير مسلم، يعزل الجنوب الأفريقي المسيحي عن النفوذ العربي المسلم في الشمال.

ثم تلتها مرحلة ثانية كان هدفها تقسيم بلاد الشام، تمهيدا لتحجيم وتدمير منطقة الهلال الخصيب عموما: بدءا باتفاقية سايكس - بيكو وإنشاء دولة إسرائيل، مرورا بالحرب اللبنانية، ثم الانتقال إلى العراق وإدخاله في صراع مطول ثم تدميره، ومن بعدها أتى الدور على سوريا.

والمرحلة الثالثة التي نعيشها اليوم نرى فيها التهديد موجها بوضوح إلى منطقة الخليج العربي، ويراد لدول مجلس التعاون أن تكون ما بين المطرقة والسندان حتى تصبح هي الخاسر الأكبر من الصراع الدائر.

ومن بعدها تأتي المرحلة الرابعة التي بدأ النقاش الفعلي حولها: تحجيم تركيا، والعودة إلى استهداف مصر، ووضع أساس «إسرائيل الكبرى»، حتى تكون الدولة المهيمنة في المنطقة.

هذه الكوارث تتزامن مع وضع أشد خطورة: الوقيعة المستمرة ما بين الأشقاء، وتأجيج الخلافات: الداخلية، والخارجية.

فالوقيعة كانت - ولا تزال - هي الوسيلة التي تسهل تنفيذ كل ما سبق.
والبعض ينساق وراء الوقيعة.. بل ويفرح بها.

نحن نتعامل مع عدو ذكي، درس النفسية العربية جيدا.. ويدرك أن الطريقة التي يفهم بها بعضنا بعضا، ويتعامل بها بعضنا مع بعض، هي مفتاح تخريب المنطقة، وضياع مستقبلنا، ومستقبل أبنائنا.

وأمتنا عندها كل المقومات: الكتلة السكانية، الكفاءات البشرية، التاريخ والحضارة، اللغة والثقافة والتحديات المشتركة، الموقع والثروات والموارد الاستراتيجية، المساحة الشاسعة، والامتداد الإنساني الواسع في ثلاث قارات، إلخ.

أبناء المنطقة كيان استراتيجي واحد، ولا أعني بذلك وحدة عربية، وإنما حقيقة استراتيجية.. والعالم الإسلامي في آسيا وأفريقيا هو عالمنا، والجنوب العالمي رصيد مساند لنا.

لكننا أمة ينقصها الوعي.. ووضوح الهدف... والتعاون.

وصدق تعالى إذ قال: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). (11) الرعد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق