نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ماذا بعد توجيهات الرئيس؟ - النيل نيوز, اليوم الجمعة 28 أغسطس 2026 02:57 مساءً
لم يكن خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير في احتفالية ذكرى المولد النبوي الشريف سوى جرس إنذار من العيار الثقيل، ركّز بصيرة الدولة على أوجاع المواطن اليومية، ليضع النقاط فوق الحروف في ملفات تمس لقمة العيش، وفواتير الكهرباء، واختناقات الطرق.
غير أن السهم الأكثر دقة وصرامة في كنانة التوجيهات الرئاسية، انطلق مدويًا باتجاه فوضى السوق العقارية وأزمات المطورين العقاريين، وتلك التعاقدات المعلقة التي تحولت بالنسبة للملايين من حلم المأوى الآمن إلى كابوس يومي من التأخير والمماطلة.
حين كتبنا مرارًا عبر "فيتو" حول فوضى السوق العقارية وأزمة العدادات الكودية محذرين من بعض الشركات والمطورين العقاريين والمقاولين الذي لا هدف لهم سوى التربح على حساب حقوق المواطنين البسيطة، كنا ندرك تمامًا أننا أمام ظاهرة تتجاوز مجرد شكاوى لآلاف المواطنين إلى مهدد حقيقي للأمن الاجتماعي والاستقرار المجتمعي.
إن العداد الكودي وفواتير الاستهلاك المبالغ فيها والتي يدفعها المواطن دون أن يرتكب أي مخالفة، وقبلها تعثر تسليم الوحدات السكنية في مواعيدها المقررة، لم تكن سوى أعراض لمرض عضال يتمثل في غياب الانضباط في السوق العقاري الناجم عن انسحاب الحكومة والأجهزة الرقابية وقلنا ذلك هنا في "فيتو" أكثر من مرة في عدة مقالات قبل أن تصدر التوجيهات الرئاسية الأخيرة.
لقد جاء الحسم الرئاسي أخيرًا ليعلن بوضوح قاطع: "لا موضع لفاسد بيننا، وسأكون حادًا مع الشركات غير الملتزمة". هذه الحِدّة لم تكن مجرد تعبير عاطفي، بل هي ركيزة سياسية تعيد الاعتبار لسيادة القانون وتحمي "دولة التعاقدات" من عبث السماسرة والمقاولين الباحثين عن الربح السريع على أشلاء مدخرات الطبقة المتوسطة والبسيطة.
إن خطورة ما يجري في القطاع العقاري تكمن في تلبيس الباطل ثوب الاستثمار، حيث يستغل البعض توجهات الدولة في بناء المدن والتوسع العمراني، ليمارسوا أبشع صور الابتزاز المالي والتعاقدي تحت مظلة التطوير العقاري.
وحين تتأخر الشركات في تسليم الوحدات، وتتراكم أعباء العدادات الكودية والتقديرات الجزافية على كاهل المواطن، فإن الدولة تفقد جزءًا من رصيد الثقة الذي بناه الدم والجهد والعرق في سنوات التأسيس الصعبة. من هنا، تصبح توجيهات الرئيس بمثابة إعادة ضبط للبوصلة، وتأكيدًا على أن الجمهورية الجديدة لا تقيم وزنًا إلا للمواطن، وأن هيبة الدولة تبدأ من حماية عقده وشقاء عمره.
إننا أمام منعطف حاسم يتطلب ترجمة فورية لهذه التوجيهات الرئاسية إلى إجراءات رادعة على الأرض؛ تشريعات حاسمة تغلق الثغرات أمام المطورين الوهميين، مراجعة لكل المشاريع الخاصة والتعاقدات بين الشركات والمواطنين، وجهاز رقابي صارم يمحو شبح العشوائية العقارية، ويضمن أن تتحول التنمية العمرانية من سيف مسلط على رقاب المواطنين إلى درع يحمي كرامتهم واستقرارهم.
فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط في بناء الحجر، بل في حماية البشر، وفي إثبات أن القانون أطول أمدًا وأقوى عودًا من أي محتكر أو متلاعب بأقوات وأحلام المصريين.


















0 تعليق