نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قصر العيني قبل 200 عام.. كيف تسلل النفوذ الإنجليزي إلى أول مدرسة للطب في مصر؟ - النيل نيوز, اليوم الأحد 23 أغسطس 2026 11:35 صباحاً
في إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه، أعلن قصر العيني إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر.
انتكاسة الإدارة وتسلل النفوذ الإنجليزي
استكمالًا لرصد المحطات الأساسية في تاريخ قصر العيني، وإرساءً للحقائق التي توثق مسيرة هذا الصرح العريق، نتوقف اليوم عند مرحلة دقيقة بدأت عقب انتهاء عهد المصلح الكبير الدكتور عيسى باشا حمدي؛ إذ شهدت المدرسة اضطرابًا إداريًا وتراجعًا أكاديميًا، بالتزامن مع تصاعد التدخل الإنجليزي في شؤون التعليم والإدارة.
ولد حسن باشا محمود عام 1847 في قرية الطالبية على طريق أهرام الجيزة، وتلقى مبادئ العلوم في مدارس مصر، ثم أوفدته الدولة ضمن بعثة علمية في أبريل 1862 إلى ميونخ بألمانيا لدراسة العلوم الصحية.
وانتقل بعد ذلك إلى فرنسا، حيث أتم دراسته في باريس، قبل أن يعود إلى مصر في أوائل عام 1868، ليُعيّن مساعدًا لأستاذ التشريح بمدرسة الطب، ثم أستاذًا له، ويتدرج لاحقًا في عدد من المناصب الطبية والإدارية حتى نال رتبة الباشوية.
وكان لحسن باشا محمود موقف سابق كشف عن رؤيته الإدارية؛ ففي عام 1884، وأثناء توليه إدارة الصحة العمومية، تقدم بطلب إلى وزارة الداخلية يقضي بفصل مستشفى قصر العيني عن مدرسة الطب وإخضاع أطباء المستشفى لإدارة الصحة العمومية. وقد تصدى عيسى باشا حمدي لهذا المقترح، وخاض معركة حاسمة للحفاظ على وحدة المدرسة والمستشفى، وحماية التكامل بين التعليم الطبي والممارسة الإكلينيكية.
وفي عام 1889، وعقب استقالة عيسى باشا حمدي، تولى حسن باشا محمود رئاسة مدرسة الطب. وبرغم مكانته العلمية وإسهاماته الطبية، تزامنت فترة رئاسته القصيرة مع اضطراب سياسي وإداري، وبدأت خلالها المدرسة تفقد جانبًا من الاستقرار والاستقلال اللذين رسخهما العهد السابق.
والإنصاف التاريخي يقتضي التأكيد أن التراجع لم يكن نتاج شخص واحد أو قرار منفرد، بل كان مسارًا متدرجًا امتد على مدار سنوات. فقد انتهت رئاسة حسن باشا محمود عام 1891، وتولى من بعده إبراهيم باشا حسن رئاسة المدرسة حتى عام 1898، بينما واصلت السلطات الإنجليزية توسيع نفوذها داخل منظومة التعليم المصرية.
وفي عام 1895، صدر قرار بإلغاء البعثات العلمية إلى فرنسا، بما أضعف أحد أهم روافد نقل المعرفة الحديثة وإعداد الكفاءات المصرية. ثم شهدت المرحلة اللاحقة اختصار مدة الدراسة الطبية من ست سنوات إلى أربع، في إطار توجهات أقرها المستشارون الإنجليز، الأمر الذي أثّر في عمق التكوين الأكاديمي والإكلينيكي للطلاب.
ومع نهاية العقد، تعاظم حضور الدكتور كيتنج، أستاذ التشريح، داخل المدرسة، حتى عُيّن رسميًا رئيسًا لها ولمستشفى قصر العيني عام 1898، لتنتقل الإدارة للمرة الأولى بصورة مباشرة إلى رئاسة إنجليزية، وتبدأ مرحلة جديدة من السيطرة البريطانية على واحدة من أهم مؤسسات التعليم الطبي في مصر والمنطقة.
وهكذا لم يكن تراجع قصر العيني في تلك المرحلة مجرد انتكاسة إدارية عابرة، بل كان انعكاسًا لمعركة أوسع حول استقلال التعليم والسيادة على المؤسسات الوطنية.
وتظل هذه الصفحات شاهدًا على أن الحفاظ على هوية قصر العيني واستقلال قراره العلمي كان ولا يزال جزءًا أصيلًا من حماية قوة مصر الناعمة وريادتها الطبية.


















0 تعليق