حين يصبح المصيف حلمًا؟

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين يصبح المصيف حلمًا؟, اليوم الأربعاء 12 أغسطس 2026 01:23 مساءً

ما كان متاحًا بالأمس صار اليوم حلما بعيد المنال.. وقد دار بيني وبين الزميل الكاتب الصحفي عبدالقادر شهيب حوار حول المصايف التي باتت شيئا بعيد المنال على الطبقة الوسطي التي تدهورت أحوالها بصورة غير مسبوقة حتى لم تعد تستطيع تدبير نفقات مصيف بسيط!


وهو ما يطرح سؤالًا: هل فكرت الدولة يومًا في السؤال الذي يطرق أبواب ملايين المصريين بصمت: كيف يعيش هؤلاء؟ وإلى أين يذهبون بأحلامهم؟

أتفق مع النائب الدكتور رضا عبد السلام في أننا يجب أن نظل متمسكين بالأمل، لكنني أظن أن القضية أكبر من مجرد التمسك بالأمل. فالمواطن الذي يطحنه الغلاء، وتآكل دخله، وارتفاع تكاليف السكن والتعليم والعلاج والمواصلات، لا يحتاج إلى من يقول له: «تمسك بالأمل» فقط، وإنما يحتاج إلى أن يرى أسبابًا حقيقية تجعله قادرًا على الأمل.

 

فالأمل لا يُفرض بقرار، ولا يُصنع بخطاب، ولا يعيش طويلًا إذا اصطدم كل صباح بواقع يقول شيئًا آخر.. المشكلة أننا أمام مصرين تكاد المسافة بينهما تصبح مستحيلة: مصر يعيش فيها ملايين يحسبون ثمن كيلو اللحم، وفاتورة الكهرباء، ومصاريف المدرسة، وتكلفة المواصلات؛ ومصر أخرى نسمع فيها عن فيلا أو شاليه بمئات الملايين.

 

لا مشكلة عندي في أن يملك إنسان ثروة كبيرة، إذا كانت ثروته مشروعة، ولا في أن يعيش كما يشاء. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الترف الفاحش مشهدًا عامًا يتكرر أمام أعين مواطن يعجز عن تدبير احتياجاته الأساسية.

 

وهنا أتكلم من تجربتي الشخصية، ومن تجربة أغلب أبناء الطبقة الوسطى التي أعرفها.. كان المصيف بالنسبة لنا شيئًا عاديًا. لم نكن نحتاج إلى ملايين ولا إلى منتجعات فاخرة. بضعة أيام على البحر، شقة متواضعة، أطفال يلعبون، وأسرة تجتمع بعيدًا عن ضغوط الحياة. كان المصيف حقًا بسيطًا من حقوق الطبقة الوسطى، وليس امتيازًا للأثرياء.

 

أما اليوم، فقد أصبح السؤال مختلفًا: هل نستطيع أن نصيف أصلًا؟ وهذه ليست شكوى شخصية. إنها حالة اجتماعية أوسع. الطبقة الوسطى التي كانت تتحمل الجزء الأكبر من أعباء المجتمع أصبحت تحسب كل جنيه قبل أن تنفقه. ومن كان يستطيع أن يصطحب أسرته إلى البحر أصبح يفكر في تكلفة الطريق والإقامة والطعام قبل أن يقرر أن يبقى في بيته.

ثم يفتح هاتفه، فيجد أمامه صورًا وفيديوهات عن الساحل والعلمين، وعن أسعار وحدات وفيلات تصل إلى أرقام فلكية، بل وعن شراء فيلا بمئات الملايين.

 

مرة أخرى: ليست القضية أن هناك من يستطيع أن يدفع 350 مليون جنيه في فيلا. القضية ماذا يقول هذا الرقم لمواطن لا يستطيع أن يدفع تكلفة أسبوع واحد من المصيف؟

 

وهنا أطرح سؤالًا قد يبدو بسيطًا لكنه في رأيي مهم: لماذا لا يأخذ المسؤولون إجازاتهم مثل المسؤولين في دول العالم؟ لماذا نحتاج إلى كل هذا الحضور الرسمي والإعلامي في العلمين؟ ولماذا لا تكون إجازة المسؤول شأنًا خاصًا، بعيدًا عن الاستعراض، وبعيدًا عن إنتاج إحساس مؤلم بالمقارنة بين من يملك ومن لا يملك؟

 

العلمين مشروع مهم، والساحل جزء من الاقتصاد والسياحة والاستثمار، ولا أحد يعترض على ذلك. لكن الدولة ليست مطالبة فقط ببناء الأماكن الفاخرة؛ الدولة مطالبة أيضًا بأن تجعل الحياة الكريمة ممكنة لأكبر عدد من مواطنيها.

 

فالاستثمار الحقيقي ليس في أن تصبح لدينا مناطق لا يستطيع المواطن العادي دخولها، وإنما في أن يصبح لدى المواطن دخل يستطيع به أن يعيش ويستمتع ويستهلك ويسافر ويصيف. وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: ماذا تفعل الدولة لحماية الطبقة الوسطى؟

 

سقوط الطبقة الوسطى ليس مجرد مشكلة اقتصادية. إنه خلل اجتماعي وسياسي خطير. هذه الطبقة هي التي تدفع الضرائب، وتربي الأبناء، وتعلمهم، وتتحمل أعباء الأسرة، وتعمل في المؤسسات، وتحافظ على قدر كبير من تماسك المجتمع.

 

إذا انكمشت هذه الطبقة، أصبح المجتمع أكثر استقطابًا: قلة تملك كثيرًا، وأغلبية تكافح من أجل الأساسيات. وهنا يصبح الحديث عن جماعات المصالح والضغط والثراء الفاحش أكثر إلحاحًا. الدولة لا ينبغي أن تعادي الأغنياء، لكنها مطالبة بأن تعرف: من أين جاءت الثروة؟ وهل حصل أصحابها عليها في إطار القانون والمنافسة العادلة، أم أن النفوذ والعلاقات والمصالح المتشابكة كان لها دور؟

 

وهذه ليست دعوة لمصادرة أموال أحد، وإنما دعوة إلى دولة قوية تضع قواعد واضحة وتطبقها على الجميع. فإذا كان هناك من استطاع أن يحقق ثروة هائلة في سنوات قليلة، فمن حق المجتمع أن يسأل: كيف؟ ومن أين؟ وهل كان الطريق مفتوحًا للجميع أم أن هناك أبوابًا لا تفتح إلا للبعض؟ والسؤال الأخطر: لماذا يشعر المواطن أحيانًا أن الكفاءة أقل قيمة من العلاقات؟

 

هل مصر فقيرة في الكفاءات؟ قطعًا لا. لدينا علماء وأطباء ومهندسون وخبراء وإداريون وشباب قادرون على صناعة المستحيل. ولدينا ملايين المصريين الذين ينجحون عندما يجدون الفرصة، داخل مصر وخارجها. إذن المشكلة ليست في ندرة الكفاءات، وإنما في قدرتنا على اكتشافها وتمكينها ووضعها في المكان المناسب.

 

وعندما يرى المواطن مسؤولًا ينجح، يطمئن. وعندما يرى مسؤولًا يفشل ويستمر، يبدأ في فقدان الثقة. وعندما يسمع عن تجاوزات ولا يرى محاسبة، يشعر أن القواعد لا تطبق على الجميع. وهنا لا يكفي أن نقول له: «اصبر». لأن الصبر بلا أفق يتحول إلى إحباط، والإحباط إذا طال يتحول إلى غضب.

 

ومن هنا أتفق مع رسالة الدكتور رضا عبد السلام في ضرورة استعادة الحلم، لكنني أرى أن إحياء الحلم يحتاج إلى ثورة في طريقة إدارة الدولة لعلاقتها بالمواطن.

نحتاج إلى عدالة أكبر في توزيع الفرص، وإلى شفافية أكبر، وإلى رقابة حقيقية على المال العام، وإلى محاسبة واضحة للمقصرين، وإلى حماية حقيقية للطبقة الوسطى، وإلى فتح الأبواب أمام الكفاءات، وإلى خطاب حكومي يشعر المواطن بأنه شريك، لا مجرد رقم في بيانات الأسعار والنمو.

 

والأهم من ذلك كله: أن تتوقف الدولة عن مطالبة الناس بتحمل ما لا تستطيع هي أن تشرح لهم أسبابه. فالناس يمكن أن تتحمل الصعب إذا اقتنعت بأنه ضروري ومؤقت وعادل. لكنها لا تستطيع أن تتحمل إلى ما لا نهاية وهي ترى في الوقت نفسه مظاهر ثراء واستثناءات وامتيازات لا تجد تفسيرًا مقنعًا لها.

 

لا نريد أن يأكل الناس الأخضر واليابس، ولا نريد فوضى، ولا نريد انهيارًا، لأن الفوضى لا تميز بين غني وفقير. نريد العكس تمامًا. نريد دولة قوية تمنع أسباب الانفجار قبل أن تتراكم، وتعرف أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالخوف من الفوضى، وإنما بإزالة أسبابها.

 

نريد أن يعود المصري ليحلم. أن يحلم الشاب بعمل كريم، لا بوظيفة مؤقتة. أن يحلم الطالب بأن تفوقه سيصنع مستقبله. أن تحلم الأسرة بمسكن مناسب. أن تستطيع الطبقة الوسطى أن تذهب إلى المصيف من دون أن تعتبر ذلك جريمة مالية.

 

أن يشعر المواطن أن بلده لا تطلب منه فقط أن يتحمل، وإنما تتحمل معه. نحن لا نحتاج إلى بيع الناس وهمًا جديدًا. نحتاج إلى إعطائهم أسبابًا حقيقية للأمل. فالمصري لم يفقد قدرته على الحلم، لكنه بدأ يسأل سؤالًا موجعًا: هل ما زال الحلم ممكنًا؟

وهنا مسؤولية الدولة. ليس أن تقول له: «احلم». بل أن تفعل ما يجعله يصدق أن حلمه يمكن أن يتحقق. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن ليس أن يرتفع فيه الغلاء، ولا أن تتعثر فيه بعض السياسات، وإنما أن يجلس ملايين المواطنين ذات مساء، وينظرون إلى المستقبل، ثم يقولون في صمت: لم يعد لنا شيء نحلم به.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق