قلعة قايتباي، الحارس الذي ورث مجد المنارة

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قلعة قايتباي، الحارس الذي ورث مجد المنارة, اليوم الأحد 2 أغسطس 2026 08:55 مساءً

قبل أن تعبر البوابة الحجرية، يلفت انتباهك العلم المصري وهو يرفرف فوق البرج الرئيسي، بينما ينتشر الزوار في الفناء الواسع. أطفال يركضون فوق المسطح الأخضر، عائلات تبحث عن زاوية لالتقاط صورة، شباب يتأملون البحر من أعلى الأسوار، وسائح أجنبي يقف صامتًا أمام الكتلة الحجرية الضخمة وكأنه يحاول أن يقرأ تاريخها. في تلك اللحظة تدرك أن قلعة قايتباي ليست مجرد أثر يعود إلى القرن الخامس عشر، بل مكان لا يزال يعيش بين الناس، يحتفظ بدوره كحارس للإسكندرية، لكن هذه المرة حارسًا لذاكرتها وهويتها.

وراء هذا المشهد الهادئ، تختبئ قصة بدأت قبل أكثر من خمسة قرون، عندما قرر سلطان مملوكي أن يبني حصنًا في أكثر بقاع المدينة أهمية، فوق أطلال منارة الإسكندرية، إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة، لتولد من بين الأنقاض أيقونة جديدة أصبحت اليوم أشهر معالم المدينة.

50d1ea4a86.jpg
88867c9eb6.jpg

سلطان سبق عصره

لم يولد الأشرف سيف الدين قايتباي سلطانًا، بل جاء إلى مصر مملوكًا شركسيًا، قبل أن يتدرج في المناصب العسكرية حتى اعتلى عرش الدولة المملوكية عام 1468م. وخلال ما يقرب من ثلاثة عقود من الحكم، لم يشتهر بالحروب فقط، بل عُرف أيضًا بأنه أحد أعظم البنّائين في العصر المملوكي.

كان يدرك أن قوة مصر تبدأ من حماية سواحلها، في وقت كانت فيه الأخطار البحرية تتزايد مع توسع الدولة العثمانية وتحركات الأساطيل الأوروبية في البحر المتوسط. لذلك لم يكتفِ بإدارة شؤون الدولة، بل أطلق مشروعًا واسعًا لبناء القلاع والتحصينات، إلى جانب المساجد والمدارس والأسبلة والوكالات، حتى أصبحت آثاره العمرانية تنتشر في أنحاء مصر وخارجها.

fd3e40779c.jpg
6865d1e572.jpg

حين سقطت المنارة.. وُلدت القلعة

لم يكن اختيار موقع القلعة مصادفة، فهنا كانت تقف منارة الإسكندرية، التي ظلت لأكثر من ألف عام تهدي السفن إلى الميناء قبل أن تدمرها الزلازل المتعاقبة.

وعندما وصل قايتباي إلى الإسكندرية، أدرك أن الموقع لا يزال يمثل مفتاح الدفاع عن المدينة، فأمر عام 1477م ببناء قلعة بحرية فوق أساسات المنارة القديمة، مستفيدًا من بعض أحجارها الضخمة في أعمال البناء.

وخلال عامين تقريبًا، ارتفع الحصن شامخًا بأسواره السميكة وأبراجه المستديرة ومزاغل الرماية، ليصبح واحدًا من أقوى القلاع البحرية في عصره، قادرًا على حماية الميناء الشرقي من أي هجوم يأتي عبر البحر.

ومن يقف اليوم أمام الواجهة الرئيسية، يصعب عليه ألا يلاحظ دقة العمارة المملوكية التي جمعت بين القوة والجمال؛ فالحجارة الضخمة، والأبراج المتناسقة، والبوابة الرئيسية، كلها تعكس براعة المعماريين الذين حولوا موقعًا شهد انهيار إحدى عجائب الدنيا إلى رمز جديد للإسكندرية.

efaaa7b91b.jpg
6838995ef9.jpg

مشروع لحماية سواحل مصر

لم تكن قلعة قايتباي مشروعًا منفردًا، بل جزءًا من رؤية دفاعية متكاملة.

فقد أنشأ السلطان تحصينات عند مدينة رشيد لحماية مصب فرع النيل، وأقام تحصينات في منطقة الطينة شرق الدلتا لتأمين المدخل الشرقي لمصر، كما رمم ودعم عددًا من الأبراج والأسوار الساحلية، في محاولة لبناء شبكة دفاعية تحمي البلاد من أي غزو بحري.

ولهذا لا ينظر المؤرخون إلى قلعة قايتباي باعتبارها مجرد مبنى أثري، بل باعتبارها قلب مشروع عسكري متكامل يعكس رؤية سلطان أدرك أن البحر قد يكون مصدر الخطر كما كان دائمًا مصدرًا للحياة.

f90dac6dff.jpg
a44513384a.jpg

المسجد.. روح القلعة

بعيدًا عن الأبراج والمدافع، يضم الطابق الأول مسجدًا مملوكيًا قد لا يلتفت إليه كثير من الزوار، رغم أنه يحمل قيمة تاريخية كبيرة.

شُيد المسجد على الطراز المملوكي، ويتوسطه صحن مكشوف تحيط به أربعة إيوانات، وكان يضم غرفتين؛ إحداهما لإقامة الشيخ، والأخرى لحفظ المصاحف والمصابيح والزيت ومستلزمات المسجد، بما يعكس أن القلعة لم تكن مجرد موقع عسكري، بل مجتمعًا متكاملًا يعيش فيه الجنود ويمارسون عبادتهم وحياتهم اليومية.

وتشير اللوحات التعريفية داخل القلعة إلى أن المسجد يعد من أقدم المساجد الباقية في الإسكندرية، ليضيف بعدًا روحيًا إلى المكان الذي ارتبط في أذهان كثيرين بالمدافع والأسوار فقط.

38701303dc.jpg
4a11562b02.jpg

وجهة لكل من يأتي إلى الإسكندرية

ورغم مرور أكثر من خمسة قرون على بنائها، لا تزال قلعة قايتباي تتصدر المشهد السياحي في الإسكندرية، وتعد واحدة من أكثر المواقع الأثرية زيارة في مصر.

السائح الأجنبي يحرص على إدراجها ضمن برنامجه لاكتشاف تاريخ المدينة، بينما يأتي إليها المصريون من مختلف المحافظات باعتبارها محطة لا تكتمل زيارة الإسكندرية دون المرور بها.

أما السكندريون أنفسهم، فما زالوا ينظرون إليها باعتبارها جزءًا من حياتهم اليومية. فهنا تُلتقط صور الزفاف، ويقضي الأطفال عطلاتهم، ويصعد الشباب إلى الأسوار لمشاهدة البحر، بينما يحرص المصورون على توثيق تغير ألوان السماء فوق أبراجها في كل فصل من فصول السنة.

ولعل هذا الحضور المستمر هو ما منح القلعة قيمة مختلفة؛ فهي ليست مجرد أثر يزوره الناس، بل مكان يعيش معهم، ويشاركهم ذكرياتهم.

130bd68b82.jpg
501c5a9da4.jpg

حين يتحدث الحجر

مع اقتراب الغروب، تتغير ملامح القلعة. ينساب الضوء الذهبي على جدرانها الحجرية، ويرفرف العلم المصري فوق البرج الرئيسي، بينما يتزاحم الزوار على الأسوار المطلة على البحر لمتابعة آخر لحظات الشمس قبل أن تختفي في الأفق.

في الأسفل، يركض الأطفال في الفناء الذي كان يومًا ساحة استعداد للجنود، وتجلس العائلات في المكان الذي كانت تُصف فيه المدافع، بينما يواصل البحر رحلته الأبدية أمام القلعة، كما فعل منذ أكثر من خمسمائة عام.

ربما اختفت منارة الإسكندرية، وربما تغيرت المدينة مرات لا تُحصى، لكن قلعة قايتباي بقيت، لا كأثر من الماضي، بل كشاهد على قدرة المدن العظيمة على إعادة صناعة تاريخها. فكل حجر في جدرانها يروي قصة، وكل برج يطل على البحر يذكر بأن الإسكندرية لم تفقد بوصلتها يومًا، بل وجدت في قلعة قايتباي حارسًا جديدًا حمل رسالة المنارة، وحفظ هوية المدينة حتى اليوم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق