ترعة السلام وأسئلة مشروعة؟!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ترعة السلام وأسئلة مشروعة؟!, اليوم الأحد 12 يوليو 2026 01:47 مساءً

تعود قضية ترعة السلام اليوم إلى الواجهة من زاوية شديدة الحساسية، لا لأنها مجرد مشكلة فنية عابرة، بل لأنها تمس جوهر مشروع تنموي طال انتظاره في شمال سيناء، وتضع أمامنا سؤالًا أكبر من الواقعة نفسها: كيف نحمي حلمًا زراعيًا كاملًا من أي خلل قد يصيب منظومة الأمان والرقابة والاستجابة؟

 

تعود قضية ترعة السلام اليوم إلى الواجهة، وجاءت إثارة هذه القضية تحديدًا استنادًا إلى المنشور الذي نشره الدكتور صلاح صقر، مدير مركز البحوث بجامعة العريش، على صفحته على فيس بوك، لا لأنها مجرد مشكلة فنية عابرة، بل لأنها تمس جوهر مشروع تنموي طال انتظاره في شمال سيناء، وتضع أمامنا سؤالًا أكبر من الواقعة نفسها: كيف نحمي حلمًا زراعيًا كاملًا من أي خلل واحد قد يصيب منظومة الأمان والرقابة والاستجابة؟

 

ترعة السلام ليست مجرد قناة لنقل المياه، بل شريان حياة لمشروع استصلاح واسع في منطقة ظلت لعقود تنتظر نصيبها من التنمية. ومن ثم فإن أي حديث عن دخول مياه صرف أو تلوث مائي داخلها لا ينبغي أن يُقابل بالإنكار أو التهوين، كما لا ينبغي أن يُبنى على الانفعال وحده. المطلوب أولًا هو التحقق العلمي الدقيق، ثم الشفافية الكاملة، ثم التحرك السريع وفق خطة واضحة تمنع حدوث أي ضرر وتحد من آثاره إن ثبت وقوعه.


إن المياه الملوثة، إذا دخلت إلى منظومة الري، لا تترك أثرها في مجرى الترعة فقط، بل تمتد إلى التربة والمحاصيل والحيوان والإنسان. فارتفاع الأحمال العضوية، وزيادة الأمونيا والمركبات النيتروجينية، ووجود العناصر الثقيلة أو الملوثات الدقيقة، كلها عوامل قد تؤثر في خصوبة الأرض، وفي سلامة الإنتاج الزراعي، وفي قدرة هذا الإنتاج على النفاذ إلى الأسواق المحلية والخارجية.

 

والأخطر أن الضرر في مثل هذه الحالات لا يظهر دائمًا فورًا، بل قد يتراكم بصمت، حتى نكتشف بعد حين أن المشكلة لم تكن في يومها الأول، بل في آثارها الممتدة.

 

ومن هنا فإن القضية لا تتعلق فقط بسؤال: هل دخلت مياه صرف إلى الترعة أم لا؟ بل تتعلق أيضًا بأسئلة أكثر أهمية: ما مصدر هذه المياه تحديدًا؟ هل هي ناتجة من محطة المعالجة نفسها، أم من مخالفات أو تسربات أو سوء إدارة بعد المحطة؟ 

هل توجد نقاط رصد كافية على طول المسار؟ وهل هناك نظام إنذار مبكر يكتشف الخلل قبل أن يصل إلى الأراضي الزراعية؟ وهل تُعلن نتائج التحاليل بشفافية للمزارعين والرأي العام والجهات الرقابية؟

 

إن أي مشروع زراعي يعتمد على الثقة في مصدر المياه يحتاج إلى منظومة صارمة من الضمانات. فالمزارع لا يزرع فقط في الأرض، بل يزرع أيضًا في الاطمئنان إلى أن ما يصل إلى حقله صالح وآمن. وإذا اهتزت هذه الثقة، اهتز معها مستقبل الاستثمار الزراعي كله، خاصة في منطقة مثل شمال سيناء التي يُراد لها أن تكون نموذجًا للتنمية المستدامة، لا ساحة لتجارب غير محسوبة.

 

ولذلك فإن التعامل الرشيد مع هذه القضية يقتضي خطوات عملية واضحة: أولها إعلان نتائج فحص مستقلة ومحايدة لنوعية المياه في الترعة وفي المصارف المتصلة بها. وثانيها تحديد نطاق التأثير على التربة والمحاصيل والثروة السمكية والحيوانية، إن وجد. 

وثالثها وضع خطة طوارئ معلنة للتعامل مع أي تكرار محتمل، تشمل العزل المؤقت، والوقف الفوري للضخ عند الضرورة، والتطهير، والمتابعة البيئية المستمرة. ورابعها إشراك المزارعين والباحثين والجهات الرقابية في منظومة متابعة لا تعتمد على التطمينات العامة، بل على البيانات والقياس والمحاسبة.

 

كما أن من المهم ألا يُنظر إلى هذه المسألة باعتبارها حادثًا منفصلًا، بل كجرس إنذار يكشف الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الحوكمة المائية في المنطقة. فالمشروعات الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق أو طول القنوات أو مساحة الأراضي المستصلحة، وإنما تُقاس أيضًا بقدرتها على الصمود أمام الأعطال، وبمدى جاهزيتها للتعامل مع الطوارئ، وبوضوح المسؤوليات بين الجهات المختلفة.


إن شمال سيناء لا تحتاج إلى خطاب مطمئن بقدر ما تحتاج إلى إدارة مطمئنة. والإدارة المطمئنة لا تعني نفي المشكلة، بل تعني الاعتراف بها مبكرًا، وشرحها للناس، وتحديد المسؤول عنها، ثم علاجها بطريقة تمنع تكرارها. فالمجتمعات لا تُبنى على العبارات العامة من نوع “كل شيء تمام”، بل على الثقة التي يصنعها الصدق، وعلى الإجراءات التي تصنعها الكفاءة.


ويبقى السؤال الأهم: إذا ثبت وجود تلوث أو تسرب لمياه صرف داخل ترعة السلام، فما هي حدود التأثير الفعلية على الأراضي الزراعية القائمة والمستهدفة؟ وما هي الإجراءات التي اتخذت بالفعل، وما الذي لم يُتخذ بعد؟ وهل توجد خطة واضحة لتعويض المتضررين وحماية سمعة الإنتاج الزراعي في شمال سيناء؟ وكيف يمكن ضمان ألا يتحول مشروع التنمية إلى مصدر قلق دائم بدل أن يكون مصدر أمل؟

 

إن هذه الأسئلة ليست للتشكيك، بل للحماية. وليست لإثارة الخوف، بل لصناعة اليقين. فالمشروعات الوطنية الكبرى لا يليق بها أن تُدار بردود الأفعال، بل بخطط استباقية، وشفافية، ومساءلة، ومشاركة مجتمعية حقيقية. وإذا كان الهدف هو تنمية شمال سيناء، فإن أول شروط هذه التنمية أن تكون مياهها آمنة، وأرضها مطمئنة، ومزارعوها على بينة من أمرهم.

 

إن القضية اليوم أكبر من ترعة، وأوسع من حادث، وأعمق من مجرد خلاف حول مصدر المياه. إنها قضية ثقة في منظومة كاملة، وثقة لا تُستعاد بالتصريحات، بل بالحقائق والإجراءات والنتائج. ومن هنا فإن المطلوب الآن ليس الصمت، بل التحرك؛ وليس التطمين المجرد، بل الكشف العلمي؛ وليس انتظار الكارثة، بل منعها قبل أن تقع.

فلتكن هذه الواقعة فرصة للمراجعة لا للمكابرة، وللتصحيح لا للتبرير، ولحماية حلم التنمية في شمال سيناء قبل أن يدفع الجميع ثمن التأخر في الاعتراف بالمشكلة.
صدقوني ليس هناك أقرب للإقناع من الشفافية والمبادرة وإتاحة البيانات في وقتها ولمن يطلبها.. إذا أردتم المصداقية والطمأنينة.. فقط نريد الحقيقة!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق