حقوق الزوجين في القرآن الكريم، وكيف نحقق التوازن والعدل الأسري؟

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حقوق الزوجين في القرآن الكريم، وكيف نحقق التوازن والعدل الأسري؟, اليوم الأربعاء 24 يونيو 2026 09:44 مساءً

حقوق الزوجين، جاء الإسلام الحنيف بمنهج متكامل ينظم شؤون الحياة الإنسانية كلها، ومن أهم المجالات التي أولتها الشريعة عناية خاصة مجال الأسرة ؛ لأنها اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وصلاحها من صلاحه، وفسادها من فساده. وقد جعل القرآن الكريم العلاقة الزوجية قائمة على أسس متينة من المودة والرحمة والسكينة، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21] وخلال السطور القادمة سنتعرف على حقوق الزوجين والتوازن بينها كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية.

مبدأ التوازن في حقوق الزوجين

 

من أعظم الآيات الدالة على التوازن في الحياة الزوجية قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228].

وتقرر هذه الآية قاعدة قرآنية عظيمة، وهي أن الحقوق والواجبات متبادلة بين الزوجين، فلا يطالب أحدهما بحقوقه مع إهمال ما عليه من واجبات وقد عدَّ العلماء هذه الآية من جوامع الأحكام في العلاقات الأسرية؛ لأنها تقرر مبدأ المعاملة بالمثل في إطار المعروف والعدل والإحسان.

وقال ابن كثير في تفسيره للآية: "أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤدِّ كل واحد منهما إلى الآخر، ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في خطبته في حجة الوداع: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وفي حديث حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه أنه قال: يا رسول الله! ما حقُّ زوجة أحدنا؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود، ومعنى (لا تُقَبِّح) أن تقول: قَبَّحَكِ الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} رواه الطبري.

والمقصود بـ (المماثلة) في الآية {وَلَهُنَّ مِثْلُ} ليس التطابق التام في جميع التفاصيل؛ لأن طبيعة الرجل تختلف عن طبيعة المرأة، ولكل منهما وظائف ومسؤوليات تناسب فطرته، وإنما المقصود أن لكل طرف حقوقًا تقابل ما عليه من واجبات، بحيث تتحقق العدالة بينهما.

وهذا المبدأ يرسخ الشعور بالمسؤولية المشتركة، ويمنع الاستبداد أو الظلم أو الاستعلاء داخل الأسرة، ويجعل الحياة الزوجية قائمة على التعاون والتكامل لا على الصراع والتقاتل.

حقُّ السكن والمودة والرحمة

من أبرز حقوق الزوجين  التي أكدها القرآن الكريم حق كل من الزوجين في السكن النفسي والعاطفي، قال تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم:21].

و(السكن) هنا أعمق من مجرد السكن المادي؛ فهو الطمأنينة والاستقرار النفسي والراحة الوجدانية. فالزوج يجد عند زوجته السكينة والأنس، كما تجد الزوجة عند زوجها الأمن والاستقرار.

ولم يكتف القرآن بذكر السكن، بل أتبعه بالمودة والرحمة، وهما أساس نجاح الحياة الزوجية. فالمودة هي المحبة التي تدفع إلى الإحسان، والرحمة هي الرأفة التي تدفع إلى العفو والتسامح عند وقوع الخطأ أو التقصير.

ومن ثم فإن من حقوق الزوجين أن يعيش كل منهما في بيئة يسودها الاحترام المتبادل والرحمة والتقدير، بعيدًا عن الإهانة والعنف والازدراء؛ لأن ذلك يناقض المقصد القرآني من الزواج.

حقُّ المعاشرة بالمعروف

أكد القرآن الكريم ضرورة أن تقوم العلاقة الزوجية على حسن المعاملة، فقال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19].

و(المعروف) اسم جامع لكل ما تعارف الناس على حسنه مما لا يخالف الشرع، ويشمل حسن الكلام، ولين الجانب، والإنفاق، والرفق، والاحترام، والتعاون، والصبر على ما قد يقع من تقصير بشري طبيعي.

وإن كان الخطاب في الآية موجهًا إلى الأزواج، فإن المعنى يشمل الزوجين جميعًا؛ لأن قاعدة القرآن العامة تقضي بتبادل الحقوق والواجبات. ولذلك كان من حق الزوج على زوجته أن تعامله بالمعروف، كما أن من حقها عليه أن يعاملها بالمعروف.

وتظهر أهمية هذا الحق في أن كثيرًا من المشكلات الأسرية لا تنشأ من نقص المال أو الإمكانات، وإنما من سوء المعاملة وغلظة الطباع وغياب الاحترام المتبادل، ومن عدم تطبيق ما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كَرِهَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخر) أو قال: (غيره) رواه مسلم، قال النووي: "أي: ينبغي أن لا يبغضها؛ لأنه إن وجد فيها خُلُقًا يُكْرَهُ، وجد فيها خُلُقًا مرضيًّا بأن تكون شرسة الخلق، لكنها دينة، أو جميلة، أو عفيفة، أو رفيقة به، أو نحو ذلك".

الحقوق المالية بين الزوجين

اعتنى القرآن الكريم بالجانب المالي للأسرة عناية كبيرة، ومن أبرز الحقوق المالية التي قررها حق الزوجة في المهر، قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء:4]. قال ابن كثير: "الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك.

فالمهر حق خالص للزوجة، لا يجوز لأحد أن يأخذه منها بغير رضاها. كما قرر القرآن حقها في النفقة والسكنى، فقال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق:6].

والنفقة تشمل الطعام والكسوة والمسكن وسائر ما تحتاج إليه الزوجة بحسب العرف والقدرة المالية للزوج.

وفي المقابل، جعل القرآن للزوج حق إدارة المسؤولية المالية للأسرة، فقال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34]. 

حقُّ الكرامة الإنسانية وصيانة الشخصية

من المقاصد الكبرى للقرآن الكريم حفظ كرامة الإنسان رجلًا كان أو امرأة. ومن أبلغ ما ورد في ذلك قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة:187].

فاللباس ستر وزينة وحماية، وفي هذا التعبير القرآني إشارة إلى عمق العلاقة بين الزوجين، وأن كلًا منهما مأمور بحفظ الآخر وصيانة كرامته وعدم كشف عيوبه أو التشهير به.

 

العدل عند الخلاف والنزاع

لم يغفل القرآن الكريم عن معالجة الخلافات التي قد تقع بين الزوجين؛ لأن الاختلاف أمر طبيعي في الحياة البشرية وسنَّة من سُننها. لكنه وضع ضوابط تضمن العدل وتحفظ الأسرة من الانهيار.

فأرشد إلى الإصلاح والتفاهم قبل الوصول إلى القطيعة، فقال تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128].

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق