الوعي والوهم!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الوعي والوهم!, اليوم الثلاثاء 16 يونيو 2026 12:02 مساءً

لن يتقدّم الوعي خطوةً حتى يتأخّر الوهم أميالًا، فالوعي والوهم ضدان لا يجتمعان.. وليست أزمة الأمم في قلة الموارد بقدر ما هي في قلة الوعي. فالأرض واحدة، والشمس تشرق على الجميع، والموارد تتفاوت لكنها لا تصنع وحدها نهضةً ولا تبني حضارة. أما الوعي فهو الفارق الحقيقي بين شعبٍ يرى الواقع كما هو، وشعبٍ يراه كما يُراد له أن يراه.


ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف تتقدم أمةٌ يسبقها الوهم إلى عقول أبنائها؟ وكيف تبني مستقبلها إذا كانت تعيش أسيرة الشائعات والأحكام المسبقة والأفكار الجاهزة؟ وهل يمكن لعقلٍ ممتلئ بالأوهام أن يفسح مكانًا للحقيقة؟


لقد أثبتت تجارب الأمم أن النهضة تبدأ حين ينتصر الوعي على الوهم. لم تنهض اليابان بعد الحرب العالمية الثانية بالخطابات الرنانة، ولم تتحول سنغافورة من جزيرة فقيرة إلى دولة متقدمة بالشعارات، ولم تحقق كوريا الجنوبية قفزتها الاقتصادية بالجدل العقيم. جميعها بدأت من بناء الإنسان، ومن ترسيخ ثقافة المعرفة والانضباط واحترام العقل والحقائق.


لكن كيف يُصاغ الوعي؟ هل يبدأ من الأسرة التي تغرس القيم الأولى وتعلم أبناءها الفرق بين الحقيقة والزيف؟ أم من المدرسة التي ينبغي أن تصنع عقلًا ناقدًا لا مجرد حافظٍ للمعلومات؟ أم من دور العبادة التي تُعلي قيمة العلم والتفكير والعمل؟ أم من الإعلام الذي يفترض أن يكون مرآةً للمجتمع وبوصلةً للرأي العام؟


والحق أن الوعي لا يولد في مؤسسة واحدة، بل هو حصيلة عملٍ متكامل تشارك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام والثقافة والفن. فإذا اختل أحد هذه المكونات أصيب البناء كله بالوهن. 

 

غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: أين يقف الإعلام من معركة الوعي؟ هل أدى إعلامنا دوره الحقيقي في بناء مواطن يعرف ويحلل ويفكر؟ أم انشغل أحيانًا بمعارك جانبية أبعدته عن رسالته الأساسية؟ وهل يكفي الضجيج ليصنع تأثيرًا؟ وهل تصنع المصداقية بكثرة الأصوات أم بجودة المضمون؟


لقد تغير العالم. لم يعد الإعلام يحتكر الخبر ولا المعلومة. فمع ثورة السوشيال ميديا أصبح المواطن يتلقى عشرات الرسائل المتناقضة في اللحظة نفسها. وفي هذا الواقع الجديد لم تعد المنافسة على سرعة نقل الخبر، بل على القدرة على تفسيره وتحليله وتقديمه بمصداقية.


ومن هنا يبرز سؤال آخر: لماذا لم يصدر حتى الآن قانونٌ متكامل لتداول المعلومات؟ وكيف يُطلب من الإعلام أن يحارب الشائعات بينما لا تزال المعلومة الصحيحة أحيانًا بعيدة أو متأخرة؟ أليست الشفافية هي السلاح الأقوى في مواجهة الأكاذيب؟ وأليست المعرفة حقًا للمواطن قبل أن تكون أداةً للإعلامي؟ ثم هل من مصلحة الدولة أن يتراجع الإعلام أو يفقد ثقة الناس؟ التاريخ يجيب بالنفي.

 

فالدول القوية لا تخشى الإعلام المهني، بل تستند إليه. والإعلام القادر على النقد المسؤول وكشف مواطن الخلل ليس خصمًا للدولة، وإنما شريكٌ في الإصلاح. أما حين تتراجع المصداقية فإن الفراغ لا يبقى فارغًا، بل تملؤه المنصات المجهولة والشائعات والأصوات التي لا يعنيها الوطن.

وهل تكفي جوقة المديح أو السباب أو الزعيق لاستعادة الدور المفقود؟ التجارب الإنسانية كلها تقول لا. فالإعلام لا يُقاس بارتفاع الصوت، بل بعمق الفكرة. ولا بعدد المؤيدين أو المعارضين، بل بقدرته على إقناع العقل واحترام وعي الجمهور.


وفي هذا السياق تأتي اللقاءات والحوارات التي يجريها وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان مع الإعلاميين والصحفيين باعتبارها خطوة للحوار وتبادل الرؤى. لكنها تظل بدايةً لا نهاية الطريق.

فإصلاح الإعلام مشروع أكبر من الاجتماعات، وأوسع من النقاشات، وأعمق من تغيير الوجوه أو البرامج. إنه مشروع يستهدف استعادة الثقة، وتحرير المعلومة، ورفع المهنية، وتجديد الخطاب، وتمكين الإعلام من أداء دوره التنويري والتفسيري في مجتمع يتغير بسرعة غير مسبوقة.


إن الأمم لا تضيع حين تفتقر إلى الثروة، بل حين يُسرق وعيها. وحين يتحول الوهم إلى حقيقة متداولة، والشائعة إلى مصدر معرفة، والانفعال إلى بديلٍ عن التفكير. نحن شعبٌ صنع الحضارة قبل أن تعرف أمم كثيرة معنى الحضارة. شعبٌ نقش العلم على جدران التاريخ، وكتب أولى صفحات المعرفة الإنسانية. ولذلك لا يليق بنا أن نترك عقولنا نهبًا للوهم، ولا أن نسمح لأحد أن يصادر حقنا في المعرفة.

فالسؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا أمامنا جميعًا ليس: ماذا نريد أن نسمع؟ بل: ماذا نحتاج أن نعرف؟ وعندما يصبح البحث عن الحقيقة ثقافةً عامة، ويصبح العقل حَكَمًا لا تابعًا، ويتراجع الوهم أميالًا إلى الخلف، عندها فقط سيتقدم الوعي خطواتٍ واسعة إلى الأمام، وتبدأ رحلة النهضة الحقيقية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق