شهدت العاصمة السويسرية جنيف تحركات دبلوماسية مكثفة لوضع اللمسات الأخيرة على مذكرة التفاهم المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب.
وجاءت هذه التطورات بعد جولات شاقة من المفاوضات غير المباشرة التي احتضنتها عواصم إقليمية ودولية بهدف صياغة اتفاق شامل ينهي النزاع العسكري العنيف، وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إدارته نجحت بالفعل في إنهاء الحرب ملمحاً إلى التوصل لصيغة اتفاق قوي للغاية يحظر على طهران امتلاك أسلحة نووية بشكل دائم.
وحسب تقرير لوكالة مهر الإيرانية للأنباء فإن مسودة الاتفاق شبه النهائي تتضمن 14 بنداً أساسياً تركز على الوقف الفوري والشامل للعمليات العسكرية على كافة الجبهات بما فيها الساحة اللبنانية، وتلزم هذه المسودة واشنطن برفع الحصار البحري كاملاً عن الموانئ الإيرانية خلال شهر واحد وسحب القوات الأميركية المتواجدة في المحيط الإقليمي لإيران، وتطالب طهران بموجب هذه الرؤية بالإفراج عن نحو 24 مليار دولار من أموالها المجمدة في الخارج كشرط أساسي للمضي قدماً في بقية بنود الصفقة.
وأشارت شبكة سي إن إن الأميركية في تقرير لها إلى أن الرئيس ترامب أكد في اتصالاته الانتخابية الأخيرة تحقيق اختراق دبلوماسي تاريخي مع إيران، وأوضح ترمب أن الهدف الأساسي الذي يمثل الغالبية العظمى من المفاوضات قد تحقق بضمان عدم تطوير إيران لأي سلاح نووي في المستقبل، ورغم هذه التصريحات المتفائلة من الجانب الأميركي فإن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أكد أن الوثيقة لا تزال تنتظر القرار النهائي من المؤسسات السيادية العليا في طهران.
التفاصيل الكاملة لبنود الاتفاق المرتقب لإنهاء الصراع الدبلوماسي والعسكري
وأفاد موقع أكسيوس الإخباري الأميركي نقلاً عن مصادر دبلوماسية مطلعة بأن مذكرة التفاهم تمنح إيران تمديداً لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً تشمل التهدئة الكاملة في لبنان، وستشهد هذه الفترة انطلاق مفاوضات تفصيلية حول الملف النووي الساخن ومعالجة أزمة اليورانيوم عالي التخصيب المتواجد داخل المنشآت الإيرانية، وتتضمن الخطة تسوية مسألة مخزون اليورانيوم عبر خيارات تقنية تشمل خفض نسب التخصيب تحت إشراف كامل ومباشر من مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وذكرت وكالة إرنا الإيرانية الرسمية نقلاً عن مصادر حكومية أن النص الحالي المقترح لا يلزم طهران بأي بند يتعلق بنقل إدارة مضيق هرمز الاستراتيجي إلى أي جهة دولية، وأوضحت الوكالة أن القيادة الإيرانية تعتبر إدارة المضيق شأناً إقليمياً خالصاً سيتم تنسيقه وإدارته عبر الحوار المباشر والقرارات المشتركة بين طهران وسلطنة عمان، وأكد المسؤولون الإيرانيون أن الهيكل الأساسي للاتفاق تم إعداده بحذر شديد لضمان مراعاة الخطوط الحمراء والمصالح الوطنية العليا للبلاد وتفادي التفسيرات المتباينة.
ووفقاً لما أوردته تقارير صحفية غربية وعربية فإن الصفقة تشمل التزاماً أميركياً وحليفاً بتقديم خطة اقتصادية ضخمة لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني المتضرر بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وتتعهد واشنطن بموجب النص المقترح بعدم فرض أي عقوبات جديدة أو تعزيز وجودها العسكري في المنطقة طوال فترة المفاوضات، وفي المقابل تجدد إيران التزامها الصارم بمعاهدة عدم الانتشار النووي مع استبعاد ملفات الصواريخ الباليستية ودعم الفصائل الحليفة من النقاشات بشكل كامل.
كواليس مفاوضات إسلام آباد ودور الوساطة القطرية والباكستانية في جنيف
وبحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية فإن المحادثات المكثفة التي جرت في طهران بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوسيط القطري علي الذوادي أسهمت في تقريب وجهات النظر، وتواصل المبعوث القطري هاتفياً خلال تلك اللقاءات مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لصياغة النص النهائي، واتفق الأطراف على تسمية هذا الاتفاق التاريخي باسم اتفاق إسلام آباد نظراً للجهود المشتركة والوساطة الحثيثة التي بذلتها دولتا قطر وباكستان خلال الأسابيع الماضية.
وأشارت مصادر الدبلوماسية الأميركية إلى أن وزارة الدفاع أرسلت طائرات شحن عسكرية من طراز سي 17 إلى أوروبا لنقل المعدات اللوجستية الخاصة بالوفد الأميركي، وتستعد البعثة الأميركية لاحتمال مغادرة نائب الرئيس جي دي فانس إلى جنيف لحضور مراسم التوقيع الرسمية المتوقعة خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالي، ويرهن الجانب الإيراني توقيعه الفعلي بتنفيذ الشق المالي والإفراج عن نصف الأموال المجمدة في حسابات برعاية قطرية مخصصة لشراء السلع الإنسانية والطبية.
وتعيد هذه الأجواء الدبلوماسية إلى الأذهان الخلفيات التاريخية المعقدة لملف الأموال الإيرانية المجمدة وأزمات الحصار البحري وصراع السيطرة على خطوط الملاحة الدولية في الخليج العربي، ويمثل الخلاف حول آلية الإفراج عن الدفعات المالية معياراً أساسياً لمدى التزام واشنطن برفع القيود الاقتصادية تدريجياً، وحذرت أوساط سياسية أميركية من وجود تفاهمات جانبية سرية غير معلنة تتعلق بآلية الرقابة الدولية وكيفية تدفق السيولة النقدية إلى المصارف الإيرانية خلال الهدنة المقررة.
تداعيات التهدئة على الأسواق المالية العالمية وحركة الملاحة في هرمز
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية أن الأسواق المالية العالمية والبورصات الأميركية شهدت انتعاشاً ملحوظاً فور صدور تصريحات الرئيس ترمب حول التوصل إلى اتفاق وشيك، وتترقب شركات الشحن البحري الدولية التطبيق الفعلي للبند الخاص بإعادة فتح مضيق هرمز فوراً ودون فرض أي رسوم مرور إيرانية على السفن التجارية، ويهدف الاتفاق إلى إعادة حركة الملاحة البحرية إلى طبيعتها السابقة ومستويات ما قبل الحرب في غضون ثلاثين يوماً من توقيع الوثيقة.
وأكدت تقارير الصادرة عن خبراء الطاقة أن منح إيران إعفاءات مؤقتة لبيع النفط ومشتقاته البتروكيماوية سيسهم في استقرار أسعار الطاقة العالمية وتلبية الطلب المتزايد، وستتمكن طهران من الوصول الكامل إلى عائداتها النفطية شريطة إظهار حسن النية والالتزام بالجدول الزمني المحدد للمفاوضات النووية اللاحقة، وترتبط الخطوات المستقبلية لإلغاء قرارات مجلس الأمن الدولي المفروضة على طهران بمدى نجاح اللجان الرقابية المشتركة في توثيق الالتزام المتبادل على الأرض.
واستعاد المتابعون للشأن الإيراني التقارير السابقة التي رصدت الأوضاع المعيشية داخل المدن الإيرانية مثل طهران التي عانت من وطأة الحصار الاقتصادي والعسكري طوال الأشهر الماضية، وتأتي هذه التطورات لتفتح آفاقاً جديدة للتنمية المستدامة في المنطقة إذا ما تم تجاوز العقبات السياسية والدبلوماسية الأخيرة، ولا تزال الدوائر السياسية في واشنطن وطهران تترقب الإعلان الرسمي والنهائي لإقرار مذكرة التفاهم التي قد تعيد تشكيل الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها.














0 تعليق