من مضيق هرمز إلى الاقتصاد العالمي: حرب إيران وإعادة تشكيل نظام الطاقة والغذاء والتجارة الدولية

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لا تنظر المنظمات الدولية إلى الحرب المرتبطة بإيران بوصفها أزمة إقليمية محدودة، بل باعتبارها صدمة بنيوية متعددة الأبعاد تعيد تشكيل توازنات الاقتصاد العالمي في لحظة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتباطؤ النمو وتزايد هشاشة سلاسل الإمداد، إذ تجمع تقديرات وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومنظمة العمل الدولية، وبرنامج الغذاء العالمي، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD، على أن العالم يواجه واحدة من أكثر موجات الاضطراب الاقتصادي تعقيداً منذ سبعينيات القرن الماضي.

وتبدأ هذه الصدمة من قطاع الطاقة، حيث تشير وكالة الطاقة الدولية IEA إلى أن العالم يمر بأكبر أزمة طاقة منذ سبعينيات القرن العشرين، نتيجة تداخل الصدمات الجيوسياسية مع اضطراب أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، وهو مضيق هرمز. الذي كان يمر عبره نحو 20 مليون برميل من البترول يومياً، أي ما يقارب 22 % من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال LNG وقد انعكس هذا الاضطراب في ارتفاع أسعار البترول إلى نطاقات تتراوح بين 90  الي 110 دولار للبرميل، إلى جانب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال بنسب تجاوزت 30% في بعض الأسواق الرئيسية، وهو ما يعكس انتقال السوق العالمي إلى مرحلة تسعير مرتفع تعتمد بشكل متزايد على “علاوة المخاطر الجيوسياسية” Geopolitical risk premium

ولا يقتصر أثر هذه الصدمة على الطاقة، بل يمتد إلى منظومة أوسع من السلع والقطاعات الاستراتيجية التي ترتبط بشكل مباشر بدول الخليج. فهذه الدول، ومنها  الإمارات والبحرين وقطر، تُعد من أهم مراكز إنتاج الألومنيوم عالمياً، بما يجعل أي اضطراب في الطاقة أو النقل البحري مؤثراً مباشراً  على سلاسل الإمداد العالمية لصناعات الطيران والسيارات والبناء والتكنولوجيا المتقدمة، كما  تحتل قطر موقعاً محورياً في سوق الهيليوم العالمي، إذ توفر نحو 20–25% من الإمدادات العالمية، وهو عنصر أساسي في الصناعات الطبية وأجهزة الرنين المغناطيسي وأشباه الموصلات المرتبطه بتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الدقيقة. وفي الوقت نفسه، تمثل دول الخليج واحدة من أهم مراكز إنتاج الأمونيا واليوريا في العالم، حيث تعتمد هذه الصناعة بشكل مباشر على الغاز الطبيعي، ما يجعلها عنصراً أساسياً في سوق الأسمدة العالمي المرتبط مباشرة بالأمن الغذائي.

وفي هذا السياق، تشير منظمة الأغذية والزراعة FAO إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكلفة إنتاج الأسمدة، خاصة الأمونيا واليوريا، بما ينعكس في ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً. وقد سجلت مؤشرات أسعار الغذاء العالمية زيادات ملحوظة تتراوح بين 10% و25% في الحبوب والزيوت والمنتجات الأساسية، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والأسمدة، وهو ما يضع ضغوطاً مباشرة على الإنتاج الزراعي العالمي. وتحذر المنظمه من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق الأكثر هشاشة، بما ينعكس لاحقاً على مستويات الأمن الغذائي العالمي. أما برنامج الأغذية العالمي WFP فيحذر هو الاخر من أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة معاً يهدد ما يصل إلى ثلث المحاصيل العالمية بشكل مباشر، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والأسمدة. ويؤدي ذلك إلى توسع معدلات انعدام الأمن الغذائي، مع احتمال دخول ملايين إضافيين إلى دائرة ما يوصف بالجوع الحاد Acute hunger، خاصة في الدول الهشة والمعتمدة على استيراد الغذاء .

كما تمتد آثار الأزمة إلى البنية التحتية الرقمية العالمية، حيث تشير التقديرات الدولية إلى أن الكابلات البحرية التي تمر عبر الممرات الحيوية في الشرق الأوسط أو بالقرب منها تنقل ما يقارب 95% من حركة البيانات والاتصالات الدولية. ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، تزايدت المخاوف بشأن أمن هذه الكابلات، ليس فقط من حيث الأضرار المباشرة، بل أيضاً من حيث التهديدات غير المباشرة الناتجة عن اضطراب الملاحة البحرية أو توسع نطاق التوترات الإقليمية. ويعني ذلك أن أي خلل في هذه الشبكات قد ينعكس مباشرة على حركة التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية، والاتصالات العالمية، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي المعاصر.

وفي سوق العمل العالمي، تشير منظمة العمل الدولية ILO  إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واضطراب سلاسل التوريد، وتراجع النشاط في قطاعات السياحة والبناء والتجارة، قد يؤدي إلى خسائر في الوظائف تصل إلى نحو 52 مليون وظيفة خلال الفترة 2026–2027، منها ما يقارب 14 مليون وظيفة خلال العام الجاري، إلى جانب خسائر في الدخل العالمي قد تتجاوز 1.1 تريليون دولار في 2026. ويعكس ذلك عمق الترابط بين صدمة الطاقة وباقي القطاعات الاقتصادية، حيث يتحول التضخم في المدخلات إلى انكماش في الطلب والتوظيف في آن واحد.

وفي السياق الكلي، يرى صندوق النقد الدولي IMF  أن هذه التطورات تمثل صدمة اقتصادية جديدة ذات طبيعة مركبة، من شأنها تعزيز احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ممتدة من “الكساد التضخمي” Stagflation، حيث يتزامن تباطؤ النمو الاقتصادي مع استمرار ارتفاع معدلات التضخم بصورة ملحوظه. ويكتسب هذا السيناريو خطورته من كونه يعكس اختلالاً مزدوجاً في جانب العرض والطلب معاً، إذ تؤدي صدمات البترول والغاز والغذاء إلى رفع كلفة الإنتاج في معظم القطاعات الاقتصادية، وفي الوقت نفسه تضعف القدرة الشرائية للأسر والشركات، بما يحد من مستويات الاستهلاك والاستثمار ويؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي بشكل عام.

وفي هذا الإطار، يؤدي ارتفاع أسعار البترول والغاز والغذاء إلى موجة تضخمية واسعة النطاق تنتقل عبر مختلف سلاسل الإنتاج، بدءاً من تكاليف الطاقة والنقل وصولاً إلى أسعار السلع النهائية والخدمات. ويترتب على ذلك ضغط متزايد على سياسات البنوك المركزية، التي تجد نفسها أمام معادلة صعبة بين كبح التضخم من جهة، ودعم النمو الاقتصادي من جهة أخرى، وهو ما ينعكس في إطالة أمد السياسات النقدية المتشددة أو تأجيل مسار خفض أسعار الفائدة. كما يؤدي هذا الوضع إلى زيادة التقلبات في الأسواق المالية العالمية، وتراجع الرغبه في المخاطرة لدى المستثمرين، وانخفاض تدفقات الاستثمار الدولي، بما يضعف ديناميكيات النمو على المدى المتوسط ويزيد من حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي

واتصالاً بذلك، خفّض البنك الدولي توقعاته بشأن نمو الاقتصاد العالمي إلى أدنى مستوى منذ تفشي وباء كوفيد الذي ضرب العالم في عام 2020، محذّراً من تفاقم التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط على سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة. ويعكس هذا التراجع في التوقعات حجم الضغوط المتراكمة على الاقتصاد الدولي، في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي Geopolitical uncertainty التي تؤدي إلى اضطراب قرارات الاستثمار، وتزايد تقلبات الأسواق المالية، وارتفاع مستويات المخاطر السيادية في عدد من الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حد سواء. كما يشير البنك إلى أن استمرار التوترات الإقليمية من شأنه أن يفاقم اختناقات التجارة الدولية، لا سيما في الممرات البحرية الحيوية، بما ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن وأسعار السلع الأساسية

في السياق التجاري، يشير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد – UNCTAD) إلى أن اضطراب الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، يؤدي إلى ارتفاع ملموس في تكاليف الشحن العالمية، ليس فقط نتيجة زيادة أسعار النقل المباشر، بل أيضاً بسبب ارتفاع تكاليف التأمين البحري وإعادة تسعير المخاطر المرتبطة بالملاحة في مناطق التوتر. وينعكس ذلك سريعاً على أسعار السلع المنقولة عالمياً، سواء المواد الخام أو السلع الوسيطة أو المنتجات النهائية، بما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة على الاقتصاد العالمي في لحظة يعاني فيها بالفعل من تباطؤ النمو.

ويمتد تأثير هذا الاضطراب إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الدولية بشكل أعمق، حيث تدفع حالة عدم اليقين الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة توزيع مراكز الإنتاج، وزيادة المخزون الاستراتيجي، والبحث عن مسارات بديلة أقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية. ويؤدي ذلك إلى تراجع  التجارة العالمية، وارتفاع تكاليفها، وإبطاء نموها، مع انتقال النظام التجاري تدريجياً من نموذج قائم على الانسيابية والتكامل إلى نموذج أكثر تحفظاً وتجزئة، وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات النمو الاقتصادي العالمي ويزيد من هشاشة الاقتصاد الدولي أمام الصدمات المستقبلية

وتكشف هذه الصورة أن الأزمة لا تتوقف عند حدود الطاقة، بل تمتد إلى شبكة مترابطة من القطاعات الحيوية التي تشمل الألومنيوم والهيليوم واليوريا والكابلات البحرية، ما يعكس الدور المحوري لدول الخليج في الاقتصاد العالمي المعاصر، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كمركز إنتاج لسلع استراتيجية وممر حيوي للاتصالات العالمية.

وهكذا يتضح أن ما يبدأ كتوتر في ممر بحري ضيق، ينتهي بإعادة تشكيل منظومة الاقتصاد العالمي بأكملها. فاضطراب الطاقة يتحول إلى صدمة غذاء، ثم إلى ضغط على سوق العمل، ثم إلى اختلال مالي وتجاري واسع النطاق، في حلقة مترابطة تعكس درجة غير مسبوقة من الترابط والهشاشة في الاقتصاد الدولي ، وفي ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية، يبدو النظام الاقتصادي العالمي مقبلاً على مرحلة طويلة من إضطراب التوازن، حيث يصبح الاستقرار والصمود الاستراتيجي Strategic resilience وليس النمو هو التحدي المركزي في المرحلة المقبلة.

تُظهر الصورة الكلية التي ترسمها التقارير الدولية أن العالم لا يواجه مجرد أزمة طاقة أو غذاء أو تجارة منفصلة، بل يدخل مرحلة تتداخل فيها هذه الصدمات في منظومة واحدة شديدة التعقيد. فاضطراب مضيق هرمز لم يعد حدثاً إقليمياً، بل أصبح نقطة ارتكاز في إعادة تشكيل أسواق البترول والغاز، وسلاسل إنتاج الألومنيوم والهيليوم واليوريا، وشبكات الكابلات البحرية التي تقوم عليها البنية التحتية الرقمية العالمية. ومع استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية، تبدو العودة إلى مستويات الاستقرار السابقة أمراً غير مضمون في الأمد المنظور، بينما تتجه الأسواق إلى تسعير دائم لحالة عدم اليقين. وفي هذا السياق، لا تعيد الأزمة رسم خرائط الطاقة فحسب، بل تعيد أيضاً تعريف علاقة الاقتصاد العالمي بالمخاطر، في عالم أصبح فيه الترابط والاعتماد المتبادل مصدر قوة… ومصدر هشاشة في آن واحد.

 

السفير عمرو حلمي 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق