كشفت وثائق قضائية رسمية صادرة عن وزارة العدل الأميركية عن تفاصيل مثيرة تحيط بالقبض على القيادي محمد باقر السعدي، الذي واجه لائحة اتهام ثقيلة تتضمن ثماني تهم جنائية مرتبطة بالإرهاب الدولي العابر للحدود، بعد سنوات من الملاحقة الاستخباراتية الدقيقة لمدير العمليات الخارجية في كتائب حزب الله العراقية، والمرتبط بشكل مباشر وميداني بأعلى هرم القيادة السياسية والعسكرية في جمهورية إيران الإسلامية.
وحسب تقرير لموقع صحيفة العربي الجديد ووكالات الأنباء العالمية، فإن السلطات الأمنية نجحت في توقيف المتهم محمد باقر السعدي أثناء تواجده في الأراضي التركية، قبل أن يتم نقله منتصف شهر مايو الجاري إلى عهدة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي في مدينة نيويورك، حيث يقبع حالياً في زنزانة انفرادية بمركز احتجاز فيدرالي مشدد الحراسة في منطقة بروكلين، بانتظار بدء جلسات محاكمته التاريخية التي تحظى باهتمام إعلامي ودبلوماسي واسع النطاق.
وتشير السجلات القضائية المسربة إلى أن المتهم محمد باقر السعدي كان يتحرك بجواز سفر دبلوماسي عراقي رسمي، وهو الأمر الذي أثار عاصفة من الجدل السياسي والأمني داخل العاصمة العراقية بغداد، حول طبيعة وتغلغل النفوذ الذي تتمتع به الفصائل المسلحة الموالية لطهران داخل المؤسسات الرسمية للدولة، ومدى قدرتها على استصدار وثائق سيادية رفيعة المستوى لرموزها الملاحقين دولياً بتهم الإرهاب.
وجاء في بيان رسمي للمدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية لنيويورك تود بلانش، أن محمد باقر السعدي كان منخرطاً بشكل مباشر في اتخاذ القرارات العسكرية الحساسة، وإدارة شبكة عملياتية معقدة هدفت إلى ضرب المصالح الأميركية والإسرائيلية والغربية حول العالم، فضلاً عن تورطه الشخصي في التخطيط لسلسلة من الهجمات الدامية والانتقامية على الأراضي الأميركية، رداً على الضربات الجوية التي استهدفت قادة الفصائل سابقاً.
عشرون هجوماً دولياً ومخططات لاغتيال قادة سياسيين
وتضمنت لائحة الاتهام الموجهة ضد محمد باقر السعدي تهماً صريحة بالمسؤولية عن نحو عشرين هجوماً ومحاولة هجوم فاشلة، رصدتها الأجهزة الاستخباراتية الغربية في عدة عواصم أوروبية وفي كندا والولايات المتحدة منذ مطلع عام 2017، وشملت تلك المخططات محاولات تفجير وحرق وطعن استهدفت مدارس ومتاجر ومعابد يهودية في مدن ميونيخ ولندن وأمستردام، إلى جانب التخطيط لعمليات تفجيرية كبرى داخل ولايات نيويورك وأريزونا ولوس أنجليس.
وحسب تقرير لموقع صحيفة الخليج الصادرة في دولة الإمارات، فإن التحقيقات الفيدرالية أظهرت أن المخططات التخريبية التي قادها محمد باقر السعدي كان لها دافع انتقامي عقائدي بحت، حيث سعى من خلال عمليات الرصد والتمويل إلى الثأر لمقتل قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، الذي لقي حتفه في غارة أميركية ببغداد عام 2020، مؤكدة أن قائمة الأهداف الاستراتيجية للمتهم شملت محاولات اغتيال لشخصيات سياسية أميركية بارزة وعائلاتهم.
وتظهر الأدلة التقنية المستخرجة من هاتف محمد باقر السعدي وحساباته الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، وجود أرشيف ضخم من الصور ومقاطع الفيديو التوثيقية والخرائط الجغرافية، بالإضافة إلى محادثات مشفرة تتعلق بكيفية تصنيع العبوات الناسفة المحلية الصنع واستخدام الأسلحة الرشاشة الخطيرة، فضلاً عن توثيقه للقاءات عسكرية جمعته بقيادات ميدانية بارزة من جماعة الحوثي اليمنية، ورموز الحرس الثوري الإيراني في غرف عمليات مغلقة.
ويواجه الشاب البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً حزمة من العقوبات الجنائية المغلظة، التي تبدأ من السجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات وتصل إلى السجن المؤبد، وتشمل التآمر لتقديم دعم مادي لكتائب حزب الله والحرس الثوري الإيراني، والشروع في تفجير أماكن عامة وإتلاف ممتلكات، بالإضافة إلى تقديم الدعم المالي واللوجيستي المباشر لأعمال إرهابية عابرة للحدود الوطنية، وفق القوانين الاتحادية الصارمة للولايات المتحدة.
اعترافات مثيرة حول اللقاء الأخير مع المرشد خامنئي
ونقلت وثائق المحكمة الفيدرالية عن المتهم محمد باقر السعدي اعترافات بالغة الأهمية حول طبيعة علاقاته العميقة مع القيادة الإيرانية، حيث وصف نفسه بأنه كان بمثابة الابن الروحي والمرافق الشخصي الدائم للجنرال قاسم سليماني قبل تصفيته، وأنه كان الشخص المكلف بقيادة سيارته للتوجه إلى اللقاء المشترك مع نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس في الليلة التي شهدت الضربة الجوية الأميركية.
وحسب تقرير لموقع وكالة الأنباء ومصادر قضائية أميركية، فإن محمد باقر السعدي أقر بصلاته الوثيقة الممتدة مع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، مؤكداً أنه التقى به شخصياً في العاصمة الإيرانية طهران قبل ثلاثة أيام فقط من اندلاع الصراع العسكري الحالي مع إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، مما يعكس حجم الحظوة والنفوذ اللذين كان يتمتع بهما المتهم داخل دوائر صنع القرار السياسي والعسكري في طهران.
كما احتوى الهاتف الخاص بالمتهم محمد باقر السعدي على مقطع فيديو يجمعه مع قاسم سليماني والقيادي العراقي المصنف على قوائم الإرهاب الأميركية أكرم عباس الكعبي، وهو أحد أبرز عناصر فيلق القدس في العراق، داخل مركز عمليات سري تحت الأرض، مما يعزز فرضية النيابة العامة الأميركية حول الدور القيادي والمحوري الذي كان يلعبه المتهم في تنسيق الهجمات المسلحة وتوجيه الخلايا النائمة في الخارج.
وأشارت وزارة العدل الأميركية إلى أن توقيف محمد باقر السعدي يمثل ضربة قاصمة لبنية العمليات الخارجية لكتائب حزب الله، مؤكدة أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عازمة على مواصلة ملاحقة وتفكيك كافة الشبكات الإرهابية التي تهدد أمن ومصالح المواطنين الأميركيين في الداخل والخارج، وتقديم المتورطين فيها إلى محاكمات علنية وعادلة تضمن إنفاذ القانون الدولي بكل حزم وقوة.
تداعيات أمنية وسياسية تزلزل الفصائل المسلحة
وأحدث نبأ اعتقال محمد باقر السعدي ونقله السريع إلى الأراضي الأميركية صدمة عنيفة داخل أروقة الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، حيث بدأت تلك الجماعات في مراجعة الإجراءات الأمنية الخاصة بتحركات قادتها في الخارج، وسط مخاوف متزايدة من وجود اختراقات استخباراتية كبرى سمحت لمكتب التحقيقات الفيدرالي برصد واقتناص هدف عالي القيمة بهذا الحجم والوزن العملياتي.
وحسب تقرير لموقع وكالات الأنباء الرسمية والتحليلات السياسية المصاحبة للقضية، فإن الحكومة العراقية تحاول التعامل بحذر شديد مع هذا الملف الشائك عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية الصامتة، لتفادي الدخول في مواجهة سياسية مباشرة مع واشنطن، خاصة بعد الكشف عن فضيحة الجواز الدبلوماسي الذي كان يملكه محمد باقر السعدي، والذي يضع مصداقية الوثائق السيادية العراقية على المحك في المطارات الدولية.
ويرى مراقبون سياسيون أن محاكمة محمد باقر السعدي في نيويورك ستفتح الباب على مصراعيه للكشف عن مزيد من الأسرار والمعلومات الاستخباراتية حول طرق تمويل الفصائل المسلحة، وآليات تهريب الأسلحة والنفط الإيراني، وشبكات الخلايا النائمة المنتشرة في العواصم الغربية، مما قد يترتب عليه فرض حزم جديدة من العقوبات الأميركية الصارمة على مؤسسات وشخصيات رسمية داخل الدولة العراقية بتهمة التواطؤ.
وستشهد الأسابيع القليلة القادمة بدء الجلسات الإجرائية لمحاكمة محمد باقر السعدي، وسط توقعات بأن تطلب النيابة العامة الأميركية العقوبة القصوى للمتهم بالنظر إلى حجم وخطورة المخططات التي قادها، والتي كانت تستهدف إحداث مجازر بشرية وتفجيرات في منشآت مدنية عامة، مما يجعل من هذه القضية واحدة من أعقد قضايا الإرهاب الدولي العابر للحدود في التاريخ القضائي الأميركي الحديث.


















0 تعليق