يكتمل وصول حجاج بيت الله الحرام يوم الاثنين إلى مشعر منى لقضاء يوم التروية تأسياً بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسط منظومة متكاملة من الخدمات المتميزة التي هيأتها الحكومة السعودية لتوفير كل سبل الراحة والطمأنينة لضيوف الرحمن، حيث نجحت الخطط الميدانية في تنظيم حركة الحشود البشرية وتقليل أوقات الانتظار وتحقيق انسيابية عالية أثناء تصعيد الملايين القادمين من شتى أنحاء العالم إلى المشاعر المقدسة في أجواء إيمانية مفعمة بالسكينة والوقار والبهجة.
وحسب تقرير لوكالة الأنباء السعودية فقد نفذت الجهات المعنية خطط التصعيد والنقل عبر شبكة متكاملة من الحافلات الحديثة وقطار المشاعر المقدسة الذي انطلق في أولى رحلاته لتسهيل حركة الحجيج، وشهدت ساحات سكن الحجاج حركة تشغيلية مكثفة مع توافد الحافلات واستعدادها للانطلاق نحو مشعر منى لقضاء يوم التروية بمرونة فائقة، وتعكس هذه الجهود الجبارة مستوى التكامل بين مختلف القطاعات الحكومية والأمنية والخدمية المشاركة في خدمة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة خلال الموسم الحالي.
وأكد وزير الصحة السعودي خلو موسم الحج الحالي من تفشي أي أوبئة أو فيروسات مشيراً إلى أن الحالة الصحية لجميع ضيوف الرحمن مطمئنة للغاية ولا يدعو القلق العالمي المثار حول فيروس هانتا لأي مخاوف، وحثّت الوزارة الحجاج على التزام السلوكيات الوقائية واستخدام المظلة الشمسية للحد من المخاطر المرتبطة بالتعرض المباشر لأشعة الشمس خاصة أثناء توجههم إلى منى لقضاء يوم التروية، حيث تسهم المظلات في خفض درجات الحرارة بنحو عشر درجات مئوية وحمايتهم من الإجهاد الحراري.
ورافق توافد مواكب ضيوف بيت الله الحرام إلى مشعر منى آلاف من رجال الأمن بمختلف قطاعاتهم الذين تابعوا توجه الحجاج عبر الطرق الفسيحة والأنفاق والجسور التي جرى تجهيزها بأعلى المواصفات العالمية، وترتبط مكة المكرمة بالمشاعر المقدسة بشبكة طرق برية متطورة إضافة إلى الممرات الخاصة بالمشاة المزودة بجميع الخدمات والمرافق الطبية والتموينية والتشغيلية التي يحتاجها الحاج وهو في طريقه لقضاء يوم التروية لضمان سلامته واستقراره طوال فترة النسك.
دور محوري لقطار المشاعر المقدسة ومنظومة النقل الذكية في تسهيل حركة الحجيج
ويؤدي قطار المشاعر المقدسة دوراً محورياً في تعزيز انسيابية الحركة داخل المشاعر بالتنسيق مع الجهات الأمنية والخدمية حيث يسهم في خفض الازدحام المروري والاستغناء عن أكثر من خمسين ألف رحلة حافلة، ويتمتع هذا القطار بقدرة استيعابية فائقة إذ تصل سعة القطار الواحد إلى نحو ثلاثة آلاف راكب وتبلغ طاقته التشغيلية اثني عشر ألف راكب في الساعة مما يجعله من أكثر أنظمة النقل كثافة على مستوى العالم بأكمله.
وتستهدف الخطة التشغيلية لقطار المشاعر في هذا الموسم الاستثنائي نقل ما يزيد عن مليوني راكب عبر ألفي رحلة مجدولة بدقة عالية للربط بين تسع محطات رئيسية موزعة على طول المسار، وتعمل المنظومات التقنية الحديثة والخدمات الرقمية المتطورة على تسهيل حركة الحجاج وإرشادهم إلى المواقع المختلفة، إضافة إلى دعم الفرق الميدانية الراجلة والنقاط الإرشادية التي توجّه الزوار وتساعدهم بعدة لغات عالمية لضمان وصولهم بسلام ويُسر.
وساهمت التجهيزات التقنية المتقدمة التي وفرتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في منافذ دخول الحجاج وفي المشاعر المقدسة في تسريع الإجراءات والتحقق من الهويات الرقمية للحجاج بيسر وسهولة، وعملت كاميرات المراقبة الذكية المرتبطة بغرف العمليات المركزية على رصد حركة التدفقات البشرية في محطات القطار ومسارات الحافلات لمنع التكدس وتوجيه الفرق الميدانية للتدخل السريع عند الحاجة لضمان سلامة الحجيج في كافة النواحي.
وضاعفت شركة المياه الوطنية جهودها عبر ضخ كميات قياسية من المياه الصالحة للشرب ومياه الاستخدام اليومي في شبكات مشعر منى مع تشغيل محطات التبريد ورذاذ الماء لتلطيف الأجواء، وحرصت الأمانة العامة للعاصمة المقدسة على تكثيف أعمال النظافة والتعقيم على مدار الساعة في كافة الممرات والساحات المحيطة بمحطات قطار المشاعر وبجوار مخيمات الحجاج لتوفير بيئة صحية ونظيفة خالية من الأمراض ومريحة لجميع ضيوف الرحمن.
مكانة دينية ومعالم تاريخية خالدة يحتضنها مشعر منى عبر العصور الإسلامية
ويقع مشعر منى بين مكة المكرمة ومشعر مزدلفة على بعد سبعة كيلومترات شمال شرقي المسجد الحرام وهو حد من حدود الحرم تحيطه الجبال من الجهتين الشمالية والجنوبية، ولا يسكن هذا المشعر إلا في مدة الحج فقط وتحدّه من جهة العاصمة المقدسة جمرة العقبة ومن جهة مزدلفة وادي محسر، ويمثل هذا المكان التاريخي العريق أهمية كبرى للمسلمين لارتباطه الوثيق بمناسك الحج السنوية والعبادات المشروعة.
ويعد مشعر منى ذا مكانة تاريخية ودينية عظيمة ففيه رمى نبي الله إبراهيم عليه السلام الجمار وذبح فدي إسماعيل عليه السلام، ثم أكد نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الفعل في حجة الوداع وحلق شعر رأسه واستن المسلمون بسنته المباركة، حيث يتدفق الحجاج إليه في يوم التروية للمبيت هناك ثم يعودون إليه بعد يوم عرفة ومزدلفة لرمي الجمرات وذبح هديهم والحلق والتقصير.
ويشتهر المشعر بمعالم دينية وتاريخية خالدة وفي مقدمتها الشواخص الثلاثة التي ترمى بالحصى صغرى ووسطى وعقبة، ويحتضن المشعر مسجد الخيف الشهير الذي اشتق اسمه نسبة إلى ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، ويقع المسجد على السفح الجنوبي من جبل منى قريباً من الجمرة الصغرى وقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم والعديد من الأنبياء الذين بعثهم الله من قبله.
ومن الأحداث التاريخية الشهيرة التي وقعت في منى بيعتا العقبة الأولى والثانية اللتان شكلتا منعطفاً تاريخياً في مسيرة الدعوة الإسلامية المباركة، ففي السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية كانت البيعة الأولى بمبايعة اثني عشر رجلاً من الأوس والخزرج لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلتها البيعة الثانية في حج العام الثالث عشر من البعثة حيث بايع سبعون رجلاً وامرأتان الرسول الكريم في الموقع ذاته.
ويقع موقع البيعتين التاريخي في الجزء الشمالي الشرقي لجمرة العقبة بأسفل جبل ثبير حيث بنى الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور مسجد البيعة في عام مائة وأربعة وأربعين هجرية، وجاء بناء المسجد إحياءً لهذه الذكرى العظيمة التي عاهد فيها الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصرته ومؤازرته وهجرته وهجرة المهاجرين معه إلى المدينة المنورة التي أصبحت منطلقاً للدولة الإسلامية.













0 تعليق