تتشابك خيوط المشهد السياسي والأمني في إسرائيل مع إعلان بنيامين نتنياهو اختيار رومان جوفمان لتولي منصب رئيس الموساد الجديد مطلع يونيو المقبل. يأتي هذا القرار في توقيت بالغ الحساسية، حيث يسعى نتنياهو لتعزيز قبضته على مفاصل الدولة الأمنية عبر تعيين شخصيات تدين له بالولاء الشخصي المطلق. وقد أحدث هذا التعيين انقساماً حاداً بين من يراه بطلاً عسكرياً مغواراً، ومن يصفه بالمغامر الذي يفتقر للخبرة الاستخباراتية العميقة المطلوبة لهذا المنصب الرفيع.
معارضة شرسة وتحديات قانونية بوجه جوفمان
حسب تقرير لصحيفة يديعوت أحرونوت ووسائل إعلام عبرية، فإن تعيين جوفمان لم يمر بسلام عبر القنوات الرسمية المعنية بالرقابة على المناصب العليا. فقد سجل رئيس "لجنة غرونيس" القاضي المتقاعد آشر غرونيس اعتراضه الصريح على التعيين، معتبراً أن هناك تحفظات مهنية وقانونية تحيط بالشخصية المرشحة. كما انضمت المستشارة القضائية للحكومة غالي بهراف ميارا إلى جبهة الرفض، مما يمهد الطريق لمعركة قضائية كبرى أمام المحكمة العليا الإسرائيلية التي قد تضطر للتدخل لحسم الجدل.
خلفية غامضة ورحلة شاقة من بيلاروسيا
وُلد رومان جوفمان في مدينة مازير بجمهورية بيلاروسيا السوفياتية عام 1976، ونشأ في بيئة أخفى فيها والداه هويته اليهودية حماية له من الاضطهاد. هاجر مع عائلته إلى إسرائيل وهو في الرابعة عشرة، ليستقر في مدينة أسدود حيث واجه واقعاً مريراً من التنمر والتمييز من أقرانه. دفعه هذا التهميش إلى احتراف رياضة الملاكمة كدرع يحمي به نفسه وزملائه المهاجرين الجدد، حتى برز كبطل رياضي على المستوى القُطري محققاً مراكز متقدمة في وزنه القتالي.
التدرج العسكري من المدرعات إلى رئاسة الموساد
استثمر جوفمان تفوقه البدني والرياضي لينخرط في صفوف الجيش الإسرائيلي عام 1995، حيث اختار سلاح المدرعات ليبدأ رحلة طويلة من الترقي الميداني. تنقل بين الوحدات القتالية وشارك في حروب لبنان وغزة والضفة الغربية، وصولاً إلى قيادة عمليات خلف الحدود السورية. لفت جوفمان الأنظار بقدرته على الجمع بين المهارة القتالية والتحصيل الأكاديمي، حيث حصل على مؤهلات في العلوم السياسية والأمنية، مما جعله مرشحاً دائماً للمناصب الحساسة في الدوائر الضيقة لنتنياهو.
أسرار العلاقة مع الكرملين والملف الإيراني
لعبت اللغة الروسية التي تعد اللغة الأم لجوفمان دوراً محورياً في صعوده السياسي، إذ أصبح مبعوث نتنياهو الخاص إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. تولى جوفمان مسؤولية صياغة توازنات دقيقة مع موسكو بخصوص الوجود الإيراني في سوريا وتنسيق العمليات الجوية. وقد كشفت التقارير أنه كان يدير ملفات بالغة السرية تتعلق بمواجهة وكلاء إيران في المنطقة، وهو ما عزز ثقة نتنياهو في قدرته على قيادة الجهاز الاستخباراتي الأكثر شهرة في العالم.
عمليات خلف الحدود ودور جوفمان السري
تنسب التقارير الاستخباراتية لجوفمان دوراً قيادياً في توجيه وحدات الكوماندوز التي نفذت عمليات داخل الأراضي السورية لضرب الحرس الثوري الإيراني. ويُعتقد أن له بصمة واضحة في العمليات التقنية المعقدة التي استهدفت منظومات الاتصال الخاصة بحزب الله واغتيال قيادات بارزة في الحزب. هذه السيرة العملياتية جعلت نتنياهو يصفه بالقائد المبدع والخلاق، القادر على فهم العدو على الجبهات السبع التي تخوض فيها إسرائيل مواجهات مسلحة واستخباراتية مستمرة ومعقدة.
أزمة الولاء الشخصي والارتباط باليمين المتطرف
يرى منتقدون أن الميزة الكبرى لجوفمان ليست كفاءته الاستخباراتية، بل ولاؤه الأعمى لبنيامين نتنياهو وانتماؤه الفكري لليمين القومي المتطرف. ارتبط جوفمان بالمدرسة الدينية في مستوطنة "عالي"، وهي المعقل الذي يخرج قادة الصهيونية الدينية واليمين المتشدد في الجيش. ويؤمن جوفمان بنظرية سيطرة المستوى السياسي على العسكري، وهو ما يتناغم تماماً مع رغبة نتنياهو في تحويل الأجهزة الأمنية إلى أدوات تنفذ سياسات الحكومة دون اعتراض أو مراجعة مهنية مستقلة.
فضيحة أوري المقيس وإخفاقات التجنيد العشوائي
تلاحق جوفمان تهم خطيرة تتعلق بالفشل الذريع في إدارة العمليات الاستخباراتية، وأبرزها قضية الفتى "أوري المقيس" الذي جنده جوفمان بشكل غير قانوني. قام جوفمان بتسريب وثائق سرية للفتى القاصر لنشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بهدف التحريض ضد شخصيات وحكومات عربية. أدت هذه المغامرة إلى اعتقال الفتى وتعذيبه من قبل المخابرات الإسرائيلية قبل أن تثبت براءته، مما أثار مخاوف داخل جهاز الموساد حول أهلية جوفمان للتعامل مع ملفات تجنيد العملاء.
غضب داخل الجهاز وتخوف من تسييس الموساد
أثار قرار التعيين موجة غضب عارمة بين كبار ضباط الموساد، وعلى رأسهم الرئيس المنتهية ولايته ديفيد برناع الذي عارض الخطوة بشدة. يرى المحترفون في الجهاز أن جوفمان يفتقر للحس الاستخباري الوقائي ويميل إلى التسرع والمغامرة غير المحسوبة التي قد تضر بعلاقات إسرائيل الدولية. كما يخشى هؤلاء من أن يؤدي تعيين جوفمان إلى "تطهير" الجهاز من الكفاءات المستقلة واستبدالها بعناصر تدين بالولاء لشخص رئيس الوزراء بدلاً من أمن الدولة ومصالحها العليا.
المواجهة المنتظرة في المحكمة العليا الإسرائيلية
تتجه الأنظار الآن إلى المحكمة العليا التي ستنظر في الالتماسات المقدمة لإلغاء تعيين جوفمان بناءً على تقارير لجنة التعيينات والمستشارة القضائية. يصر نتنياهو على المضي قدماً في قراره، موقعاً على كتاب التعيين الرسمي لمدة خمس سنوات، متحدياً بذلك المؤسسة القضائية والأمنية التقليدية. ستكون هذه القضية بمثابة اختبار حقيقي لقوة السلطة القضائية في مواجهة محاولات الحكومة السيطرة على الأجهزة الحساسة، ومدى قدرة الجهاز على حماية استقلاليته في ظل الاستقطاب الحاد.
مستقبل الاستخبارات الإسرائيلية في ظل جوفمان
إذا تم تثبيت جوفمان في منصبه، فإن الموساد مقبل على تحول جذري في عقيدته العملياتية، حيث سيميل الجهاز أكثر نحو العمليات الخشنة والمباشرة. يتوقع المراقبون أن يركز جوفمان على تعزيز التنسيق مع القوى اليمينية في الولايات المتحدة، خاصة في حال عودة دونالد ترمب للسلطة. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول قدرة "الملاكم السابق" على إدارة حروب الظل المعقدة التي تتطلب صبراً وهدوءاً يتناقضان مع طبيعته المندفعة التي وصفها زملاؤه في الجيش "بالسكين بين الأسنان".
الخلاصة وتداعيات التعيين على الساحة الإقليمية
إن تعيين رومان جوفمان ليس مجرد تغيير في الأسماء، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة من تداخل السياسة بالأمن في إسرائيل. يمثل جوفمان النموذج المثالي للقائد الذي يبحث عنه نتنياهو؛ مقاتل صلب، مترجم للسياسات، ومخلص للزعيم. لكن ثمن هذا الولاء قد يكون غالياً إذا ما تسببت مغامراته في إخفاقات استخباراتية جديدة، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة مع إيران وحزب الله، مما يجعل مستقبل المنطقة مرتبطاً بقرارات هذا الرجل المثير للجدل.


















0 تعليق