تعيش الأوساط السياسية والاقتصادية في إسرائيل حالة من الذهول بعد إقرار الموازنة العامة الجديدة التي تعكس حجم التخبط الحكومي في ظل استمرار أطول نزاع عسكري يشهده الكيان الصيوني منذ عقود طويلة.
وحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد فتح ما وصفه الخبراء بـ "متجر الحلوى" لتلبية رغبات شركائه في الائتلاف اليميني على حساب الاستقرار المالي للدولة.
تأتي هذه الخطوة في وقت حساس للغاية حيث تغرق الحكومة في أجواء من اليأس بسبب الحرب الشاملة مع إيران والتوترات المتصاعدة في لبنان، مما أدى لزيادة في العجز المالي لا يمكن السيطرة عليها.
تبلغ القيمة الإجمالية للموازنة الجديدة نحو مئتين وتسعة وستين مليار دولار، وهي أضخم ميزانية في تاريخ الدولة، حيث تهدف لتمويل العمليات العسكرية المستمرة منذ أحداث السابع من أكتوبر عام ألفين وثلاثة وعشرين.
لقد مر أكثر من عامين ونصف العام على اندلاع شرارة الحرب، ومع ذلك لا يلوح في الأفق أي أفق قريب لإنهاء العمليات القتالية، مما يضع ضغوطاً هائلة على الموارد المالية المحدودة للدولة العبرية.
إن المصادقة على هذه الموازنة لم تكن مجرد إجراء مالي بل كانت مناورة سياسية بامتياز، حيث حسمت النقاش حول تقريب موعد الانتخابات ومنعت الكنيست من التوجه لصناديق الاقتراع قبل موعدها القانوني.
بموجب هذا الاتفاق، ستجري الانتخابات في موعدها المحدد نهاية أكتوبر من العام القادم، لتكون المرة الأولى منذ ثمانية وثلاثين عاماً التي تكمل فيها حكومة مدتها القانونية كاملة دون أي انقطاع مفاجئ.
يعكس هذا الاستقرار السياسي الظاهري انتصاراً واضحاً لصوت الحرب ومصالح الحريديم والمستوطنين، الذين فضلوا الحفاظ على مكاسبهم الفئوية فوق أي مصلحة اجتماعية أو أمنية أو حتى اقتصادية كبرى تهدد مستقبل الكيان.
لقد صوت اثنان وستون نائباً لصالح استمرار النهج الحالي، مما يعني تعميق التصدع الداخلي الذي يدفع ثمنه المواطنون العاديون، وخاصة جنود الاحتياط الذين يتحملون العبء الأكبر في الجبهات المشتعلة في الشمال والجنوب.
التحولات الاقتصادية في ظل الاستنزاف العسكري
تتعالى صرخات الاحتجاج بين صفوف قيادات الجيش التي كشفت عن نقص حاد لا يقل عن خمسة عشر ألف جندي احتياط، وهو ما يعيق تنفيذ الخطط العسكرية الطموحة في الأراضي اللبنانية المشتعلة.
وعلى رغم هذه الحاجة الماسة للمقاتلين، لا تزال الحكومة تصر على إبقاء القوانين التي تعفي المتدينين "الحريديم" من الخدمة العسكرية، مما يثير غضباً شعبياً واسعاً ضد سياسات التمييز التي تتبعها السلطة.
تبلغ الميزانية المباشرة المخصصة للإنفاق الجاري نحو مئة وسبعة وتسعين مليار دولار، مع منح الحكومة صلاحية رفع سقف الصرف بمقدار أربعة وعشرين مليار دولار إضافية لمواجهة أي طوارئ عسكرية محتملة في المستقبل.
تتيح الموازنة المقررة للوزارات المختلفة إقرار مشاريع مستقبلية تتجاوز قيمتها اثنين وسبعين مليار دولار، وهو رقم يراه الخبراء الماليون مبالغاً فيه في ظل حالة الانكماش الاقتصادي والديون المتراكمة على خزينة الدولة.
لقد قفزت الأرقام بصورة غير مسبوقة لتمويل تكاليف الحرب الباهظة، التي تشمل المصاريف العسكرية المباشرة والتعويضات المدنية الكبيرة للسكان الذين نزحوا من مناطق المواجهات الحدودية في الشمال والجنوب منذ سنوات.
أدى هذا الإنفاق المنفلت إلى رفع سقف العجز المخطط له من أربعة فاصلة سبعة في المئة إلى قرابة خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بوصوله فعلياً إلى أرقام أعلى بكثير.
يقدر الخبراء أن العجز الفعلي قد يتجاوز خمسة فاصلة واحد في المئة، مما يعني زيادة مديونية إسرائيل بنحو خمسة وثلاثين مليار دولار، وهو ما يضع الأجيال القادمة تحت وطأة ديون ثقيلة جداً.
تعتزم الحكومة طرح مشروع قرار إضافي يتضمن تقليص موازنات جميع الوزارات بنسبة ثلاثة في المئة، لاستثناء وزارة الحرب والأجهزة الاستخباراتية التي حصلت على ميزانيات مفتوحة لتغطية العمليات الأمنية والسرية بالمنطقة.
الغريب في الأمر أن هذا التقليص لن يطاول موازنات المستوطنات أو المدارس الدينية التابعة للحريديم، رغم أنهم يشكلون نسبة كبيرة من سكان الضفة الغربية ويستنزفون موارد ضخمة من ميزانية الدولة العامة.
اعتبر زعيم المعارضة يائير لبيد أن هذه الموازنة تمثل "أكبر سرقة في التاريخ"، متهماً الائتلاف الحاكم بنهب أموال دافعي الضرائب لتوزيعها كمنح لأشخاص وصفهم بالفاسدين والمراوغين الذين لا يساهمون في الاقتصاد الوطني.
أزمة الائتلاف الحكومي وصراع المصالح الفئوية
يرى لبيد أن الكنيست شهد لحظات مخزية حيث تمت إضافة مئات الملايين من الشواكل لأحزاب المتدينين في اللحظات الأخيرة، في خطوة اعتبرها تجاوزاً صارخاً لإطار الموازنة المتفق عليه في اللجان المختصة.
وصف لبيد الوزراء بأنهم لصوص منفصلون عن الواقع الشعبي، حيث يحتفلون بتوزيع الغنائم السياسية بينما يقبع ملايين المواطنين في الملاجئ خوفاً من الصواريخ والقذائف التي تنهمر على المدن الرئيسية بشكل شبه يومي.
لم تقتصر التحذيرات على المعارضة الداخلية بل امتدت لتشمل وكالات التصنيف الدولية مثل "فيتش"، التي أبقت على نظرة مستقبلية سلبية للاقتصاد الإسرائيلي محذرة من تداعيات استمرار النزاع المسلح على الاستقرار المالي المستقبلي.
توقعت الوكالة اتساع العجز وارتفاع الدين العام لمستويات قياسية، مع وجود أخطار حقيقية ناتجة عن التوترات الإقليمية المتزايدة مع إيران وحلفائها في المنطقة، بالإضافة إلى حالة الانقسام السياسي الحاد بالداخل.
تشير التقديرات الدولية إلى أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل ستصل لنحو اثنين وسبعين فاصلة خمسة في المئة بحلول عام ألفين وسبعة وعشرين، وهي نسبة تفوق معظم الدول المستقرة.
حذر عسكريون من أن الطموحات السياسية بالسيطرة على مناطق في لبنان حتى نهر الليطاني سيكلف الخزينة مبالغ لا تستطيع الدولة تحملها، خاصة مع خطط إقامة مواقع عسكرية دائمة في القرى الحدودية المستهدفة.
إن الارتفاع المستمر في النفقات الأمنية مع صعوبة إجراء تعديلات مالية حقيقية قد يؤدي لخفض التصنيف الائتماني مرة أخرى، مما سيرفع تكلفة الاقتراض الخارجي ويزيد من صعوبة تمويل العجز المالي المتفاقم حالياً.
استخدمت الخبيرة الاقتصادية ميراف أرلوزوروف وصف "متجر الحلويات" للإشارة إلى كيفية حصول الوزراء على كل ما يشتهون من أموال لضمان بقائهم في مناصبهم، متجاهلين الألم الاقتصادي الذي سيعقب هذه المرحلة الانتقالية.
تشبه الحالة الراهنة الأطفال الصغار الذين يرغبون في التهام كل الحلوى دفعة واحدة، دون التفكير في عواقب ذلك على صحتهم، وهو ما تفعله الحكومة الحالية بمستقبل الاقتصاد الوطني الذي يواجه خطر الانهيار.
حذر بنك إسرائيل المركزي من أن الأحداث الجيوسياسية قد تؤدي لارتفاع نسبة الدين العام بسرعة البرق، مما يستوجب كبح النفقات الأمنية غير الضرورية واعتماد مسار واضح وموثوق يلبي الاحتياجات الدفاعية دون تدمير المدنية.
مستقبل التصنيف الائتماني والضغوطات الدولية
أكد البنك المركزي على ضرورة اتخاذ قرارات حكومية واضحة بشأن ميزانية الأمن الثابتة، بناءً على تقييمات واقعية للأخطار وليس بناءً على رغبات سياسية تهدف لإرضاء قادة الأجهزة الأمنية والوزراء المتطرفين في الحكومة.
يشير الخبراء إلى أن نتنياهو يرفض تبني توصيات لجنة "ناغل" لمراجعة موازنة الأمن، بل قام بتحديد أرقام فلكية تصل لثلاثمئة وخمسين مليار شيكل للعقد القادم دون أي دراسة جدوى اقتصادية أو استراتيجية حقيقة.
لقد أصبح النظام الحكومي برمته موجهاً لخدمة الأرقام التي يضعها رئيس الوزراء وحده، مما يهمش دور المؤسسات الرقابية والخبراء الماليين الذين يرون في هذه السياسات انتحاراً اقتصادياً بطيئاً للدولة في ظل الأزمات.
ترى أرلوزوروف أن عملية "زئير الأسد" العسكرية ورغم تقليلها لبعض الأخطار الأمنية المباشرة، إلا أنها خلقت بيئة اقتصادية هشة تحتاج لإدارة دقيقة وحازمة لإطار الموازنة العامة بعيداً عن الصفقات السياسية المشبوهة والضيقة.
يجب العمل فوراً على الحد من زيادة العجز المالي لتمكين الدولة من العودة لمسار يؤدي لخفض نسبة الدين، مما سيخفف عبء فوائد القروض ويتيح مرونة مالية للتعامل مع أي صدمات خارجية مفاجئة مستقبلاً.
الواقع الحالي يشير لعدم الاكتراث بتوصيات البنك المركزي، حيث يواصل الوزراء الحصول على كل ميزانياتهم المطلوبة بينما تغرق الحكومة في أجواء من اليأس واللا مبالاة تجاه التحذيرات المتكررة من حدوث كارثة مالية.
تؤكد التقارير أن الموازنة الكارثية الحالية تقرب إسرائيل بخطوات عملاقة نحو الهاوية، ورغم أن وجود موازنة سيئة أفضل من غيابها تماماً أثناء الحرب، إلا أن النتائج المترتبة عليها ستكون مؤلمة لسنوات طويلة جداً.
يبدو أن نتنياهو الذي كان يلقب نفسه يوماً بـ "خبير الاقتصاد" قد تنازل عن هذا الدور تماماً مقابل الحفاظ على ائتلافه، مدركاً أن الناخبين قد لا يهتمون كثيراً بنسب العجز المالي في صناديق الاقتراع.
إن الأولوية القصوى للحكومة الآن هي البقاء في السلطة عبر شراء ولاء الأحزاب الدينية والمستوطنين، حتى لو كان الثمن هو وصول الدين العام لمستويات غير مسبوقة تهدد مكانة إسرائيل في الأسواق المالية العالمية.
يبقى المواطن الإسرائيلي هو الضحية الكبرى لهذه السياسات، حيث سيواجه ارتفاعاً في الضرائب وتقليصاً في الخدمات المدنية الأساسية، بينما تذهب المليارات لتمويل حروب لا تنتهي وصراعات سياسية داخلية تنهش في جسد الدولة.

















0 تعليق