توافق مصري تركي.. غزة وليبيا والسودان على طاولة الكبار

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

توافق مصري تركي شامل انبثق من قلب القاهرة اليوم، ليعلن عن مرحلة جديدة وجذرية في مسار العلاقات الثنائية بين القطبين الكبيرين في الشرق الأوسط، حيث لم يعد التعاون بين البلدين مجرد رغبة بروتوكولية بل أضحى ضرورة استراتيجية تفرضها التحديات الجيوسياسية المتلاحقة.

 وقد تجسد هذا التقارب في الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى الذي ترأسه الرئيسان عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان، والذي خلص إلى تفاهمات عميقة شملت ملفات ساخنة بدءاً من الحرب في غزة ومروراً بالأوضاع في ليبيا والسودان والصومال، وصولاً إلى أمن البحر الأحمر وحقوق مصر المائية في نهر النيل. إن هذا الحراك الدبلوماسي المكثف يعكس إدراكاً مشتركاً بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن التنسيق الوثيق بين القاهرة وأنقرة، وهو ما ترجمه البيان الختامي الذي وضع خارطة طريق لإنهاء الصراعات المسلحة، وحماية السيادة الوطنية للدول، وتعزيز التعاون الفني والاقتصادي، في خطوة وصفتها الأوساط السياسية بأنها صمام أمان حقيقي ضد الفوضى الإقليمية والتدخلات الخارجية غير المشروعة.

​وحدة الرؤى تجاه الصراعات العربية المشتعلة

​يأتي توافق مصري تركي في لحظة فارقة تمر بها الأمة العربية، حيث ركزت المباحثات بشكل أساسي على ضرورة إيجاد حلول جذرية للأزمات في السودان وليبيا. وفيما يخص الشأن السوداني، شدد الزعيمان على ضرورة الوقف الفوري والدائم لإطلاق النار، معلنين رفضهما القاطع لوجود أي هياكل حكم موازية تهدد وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية، مع التأكيد على تأمين ممرات إنسانية تضمن وصول المساعدات للشعب السوداني المنكوب. أما في الملف الليبي، فقد تجلى التوافق في دعم مسار سياسي شامل بملكية وقيادة ليبية خالصة تحت رعاية الأمم المتحدة، بهدف توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وإجراء الانتخابات التي طال انتظارها، مما يقطع الطريق أمام أي طموحات لتقسيم البلاد أو استمرار حالة الانقسام التي استنزفت موارد الليبيين لسنوات طويلة. هذا التنسيق الميداني والسياسي يبرز قدرة البلدين على تحويل التنافس السابق إلى شراكة فعالة تخدم مصالح شعوب المنطقة وتصون وحدتها الترابية.

​موقف حازم ضد التصعيد في غزة ولبنان وسوريا

​لقد عكس توافق مصري تركي جبهة موحدة وشديدة الصرامة تجاه الممارسات الإسرائيلية في المنطقة، حيث طالب الجانبان بانسحاب إسرائيلي كامل وفوري من قطاع غزة وإنهاء الحرب الدامية التي دمرت البنية التحتية وهجرت الملايين. وأكدت القاهرة وأنقرة على مركزية قرار مجلس الأمن رقم 2803 كإطار قانوني لعودة السلطة الفلسطينية لإدارة القطاع، مع فتح جميع المعابر لضمان تدفق المساعدات دون عوائق.

ولم يقتصر الأمر على غزة، بل امتد ليشمل إدانة الاعتداءات المتكررة على الأراضي السورية واللبنانية، حيث شدد البيان على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط وتنفيذ القرار 1701 بشكل كامل. كما أعلن الزعيمان دعمهما لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، معتبرين أن أي محاولات لتغيير الواقع الديموغرافي أو الاستيلاء على الأراضي في سوريا أو فلسطين هي إجراءات باطلة تفتقر لأي شرعية دولية وتزيد من اشتعال فتيل الأزمة.

​تأمين الملاحة الدولية وحماية السيادة الصومالية

​يمثل توافق مصري تركي ركيزة أساسية لأمن البحر الأحمر الذي يواجه تهديدات غير مسبوقة تؤثر على حركة التجارة العالمية وقناة السويس. واتفق الجانبان على رفض أي وجود عسكري أجنبي على سواحل البحر الأحمر يخالف القانون الدولي، مع التأكيد على أن حماية الملاحة هي مسؤولية الدول المشاطئة بالدرجة الأولى. وفي سياق متصل، أعلن الرئيسان السيسي وأردوغان رفضهما لأي إجراءات من شأنها تقويض سيادة الصومال ووحدة أراضيه، في إشارة واضحة للتطورات الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي.

 إن هذا التناغم في المواقف يعكس رغبة مشتركة في منع تدويل الأزمات الإقليمية والحفاظ على استقلال القرار الوطني للدول الأفريقية والعربية، مما يسهم في خلق بيئة أمنية مستقرة تدعم النمو الاقتصادي وتحد من نفوذ القوى التي تسعى لزعزعة الاستقرار في هذا الشريان الملاحي الحيوي.

​التعاون المائي وتبريد بؤر التوتر بين واشنطن وطهران

​في خطوة لافتة تعزز عمق الشراكة، برز توافق مصري تركي في ملف الأمن المائي، حيث أقرت تركيا بالأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر كقضية وجودية لا تقبل المساومة. واتفق الطرفان على تدشين برامج تعاون فني لمواجهة تداعيات التغير المناخي ونقص الموارد المائية، مما يضفي بعداً تقنياً وتنموياً على العلاقات السياسية.

 كما تطرقت المباحثات إلى ضرورة خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يسعى الجانبان للعب دور الوسيط العقلاني للوصول إلى اتفاق يضمن استقرار الشرق الأوسط بعيداً عن حافة الهاوية النووية أو المواجهات العسكرية المباشرة. إن هذا المسعى الدبلوماسي يهدف إلى خلق مناخ من الثقة المتبادلة يسمح باستئناف المفاوضات المبنية على حسن النية، وهو ما يثبت أن الشراكة المصرية التركية باتت تملك الأدوات اللازمة للتأثير في الملفات الدولية الكبرى وليس فقط القضايا المحلية الصرفة.

​آفاق مستقبلية واعدة للشراكة الاستراتيجية

​إن مخرجات هذا الاجتماع وما تضمنه من توافق مصري تركي تضع لبنة قوية في بناء تحالف استراتيجي طويل الأمد، سيتوج بعقد الاجتماع القادم للمجلس في أنقرة عام 2028. ولم يتوقف الطموح عند الملفات السياسية، بل امتد ليشمل الصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة، خاصة بعد المباحثات التي أجراها الرئيس أردوغان في السعودية قبل وصوله للقاهرة، مما يشير إلى تشكل محور إقليمي (مصري - تركي - سعودي) قادر على قيادة المنطقة نحو الرخاء. 

إن تبادل الهدايا الرمزية، مثل السيارة الكهربائية التي أهداها أردوغان للسيسي، ما هي إلا إشارة بسيطة لعمق المودة السياسية التي عادت لتطغى على المشهد. وبهذا يغلق البلدان صفحة الخلافات القديمة ليفتحا فصلاً جديداً عنوانه التعاون المثمر والعمل المشترك من أجل عالم عربي وإسلامي أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة أزمات القرن الحادي والعشرين.

أخبار ذات صلة

0 تعليق