وجود إيران وواقع مؤلم.. ماذا ينتظر بايدن في العراق؟

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أعد المحلل السياسي تسفي برئيل تحقيقًا مطولا عن العراق، ونشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، كشف فيه عن الواقع المؤلم الذي سيواجهه الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن في هذا البلد العربي، خصوصًا السيطرة الإيرانية على الكثير من مجريات الأمور، واستغلال الحدود لتسهيل التهرب من العقوبات الاقتصادية الدولية.

 

وقال التحقيق: إن الباعة الإيرانيون والمتسوقون العراقيون يحتشدون في أروقة المعرض التجاري، الذي أقيم الشهر الماضي في دهوك بإقليم كردستان العراقي، وسط آلاف القطع من السجاد وعبوات وأكياس البهارات، حيث تعد مدينة السليمانية الكردية، حتى الآن، بمثابة مركز تجاري للبضائع الإيرانية.

 

وبحسب التحقيق، يكشف التدفق الكاسح على دهوك، الواقعة بالقرب من الحدود مع تركيا، مدى اعتماد إيران على العراق كمنفذ للتهرب من العقوبات الاقتصادية. وعلى الرغم من أنه لم يتم بعد التوقيع على صفقات ضخمة بين البلدين، إلا أنه يتم توظيف هذا المنفذ بالفعل كطوق نجاة لصغار التجار، الذين طحنتهم الأزمة الاقتصادية الحادة في إيران.

 

عراق فقير ومفلس

بأسعار منخفضة للغاية يتم بيع سجاد من أجود الأنواع مقابل زهاء 200 دولار إلى 300 دولار، في حين أن أسعارها يمكن أن يصل إلى آلاف الدولارات في أوروبا.

 

ولكن بالنسبة لمعظم المتسوقين العراقيين، لا تزال هذه الأسعار مرتفعة للغاية. فعلى الرغم من أن العراق هو رابع أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، إلا أنها لا تزال فقيرة ومفلسة. وتطرق بغداد حاليا على باب صندوق النقد الدولي للحصول على قرض عاجل بقيمة 6 مليارات دولار لتمويل أوجه إنفاقها الحالية.

 

ربما يمكن أن يكون من الصعب فهم التناقض بين الثروة المدفونة تحت الأرض وإفلاس الحكومة. لكن الأسباب معروفة جيداً، وقد ترسخت بقوة خلال 18 عاماً مرت منذ تحرير العراق من حكم صدام حسين.

 

جيش من العمالة الوهمية

إن الإحصاءات الرسمية مقلقة، حيث يبلغ إجمالي ميزانية الدولة للعام الجاري 113 مليار دولار، نصفها نتيجة لعجز متزايد. يُقدَّر معدل البطالة الرسمي بنحو 36%، ولكن تعد النسبة أعلى بكثير بين الشباب، الذين يشكلون غالبية سكان البلاد، حيث يصل إلى حوالي 50%، في حين أن حوالي 30% من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر.

 

ويتعرض النظام المصرفي للانهيار حيث انخفض مستوى السيولة في البنوك بشكل خطير، وتقريبا لا يتوافر الائتمان اللازم لفتح أعمال تجارية جديدة، في حين وصلت الديون الحكومية للبنوك إلى مبالغ هائلة، وليس من الواضح على الإطلاق كيف سيتم سدادها أو متى أومن أين ستأتي الأموال لتسوية تلك الديون. إن المستثمرين الأجانب ليسوا في عجلة من أمرهم لزيارة العراق، كما أن البيروقراطية المرهقة والفاسدة حتى النخاع تمنع أي إمكانية للتنمية. كما بلغ الدين العام 69 مليار دولار ومن المتوقع أن يرتفع إلى 99 مليار دولار خلال عام 2021.

 

وتدفقت عشرات المليارات من الدولارات، التي تلقاها العراق من الولايات المتحدة والدول الأوروبية منذ نهاية الحرب، إلى جهات معينة بشكل خاص. تعد الحكومة والشركات المملوكة للدولة أكبر جهة توظيف في البلاد، ويدفعون رواتب لأكثر من 7 ملايين موظف، حوالي 20% منهم هم "عمالة وهمية" أي لا يحضرون إلى مقر العمل إلا لتحصيل رواتبهم.

 

ويوجد من هؤلاء الموظفين الوهميين في كل شركة حكومية ووزارة، وفي الجيش أيضًا، حيث يسجل القادة أشخاصًا غير موجودين كجنود، ثم يجمعون رواتبهم ويقومون بتوزيعها على مؤيديهم. ولا يمكن بالفعل معرفة عدد العمال الوهميين الموجودين بالفعل، لأنه لا يوجد سجلات رسمية مناسبة لموظفي الحكومة. إن آليات الرقابة والإشراف موجودة فقط على الورق، واصطدم أي جهد تم بذله في الماضي لاقتلاع هذا الطاعون، الذي يكلف الحكومة مليارات سنويًا، بجدار من آليات الحماية الشبيهة بالمافيا من القادة السياسيين، الذين كانوا يستفيدون من هذا الوضع الحالي لسنوات.

 

دائرة مغلقة للرشاوى

في أكتوبر، قدم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مجموعة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية تهدف إلى التغلب على العجز الكبير في الميزانية. تتضمن خطته تقليص عدد موظفي الحكومة، وفرض ضريبة دخل على موظفي الحكومة من 30% إلى 40%، وضريبة 10% على مدفوعات المعاشات التقاعدية، وجهودًا لتعزيز القطاع الخاص.

 

وتبدو هذه الخطوة على المستوى النظري كبداية واعدة، لكن سيكون التنفيذ عمليًا على أرض الواقع صعبًا. إن تقليص عدد الموظفين الحكوميين، على سبيل المثال، هو بمثابة حقل ألغام سياسي، لأن الغالبية العظمى من هؤلاء الموظفين تقريبًا تحمل "بطاقة عضوية" للأحزاب السياسية، واستمرار توظيفهم يشكل أساس السلطة السياسية للفصائل من خلال توفير المزايا لمؤيديهم.

 

إن تحسين البيروقراطية وجعلها أكثر فاعلية يعني نقل الحكومة إلى نظام محوسب، وهو الأمر الذي يتطلب توظيف مهنيين ماهرين، وهو ما يفتقر إليه العراق بشكل مزمن.

 

يعرف أصحاب الأعمال والشركات الأجنبية ذلك جيدًا من خلال جميع العقبات التي يجب عليهم التغلب عليها للحصول على ترخيص. يمكن أن تستغرق هذه العملية عامين وتتطلب دفع رشاوى لعشرات المسؤولين الذين يتولون عملية الترخيص.

 

تخلى عدد من المسؤولين المحليين عن انتظار التصاريح الحكومية وبدأوا في توقيع عقود بشكل مستقل لإعادة الإعمار والبناء مع شركات خاصة. ويأملون في استخراج تمويل المشاريع من الحكومة في مرحلة لاحقة، أو منح الشركات عوائد ومزايا أخرى من المشاريع التي يبنونها.

 

خطأ جورج بوش

لم يتم إقرار موازنة الدولة بعد، لأن السياسيين مشغولون بتقسيم حصص كل وزارة، التي يتم تخصيصها على أساس عرقي وسياسي، وكذلك لم يتم تحديد ميزانية الإقليم الكردي في العراق. إن الأكراد، الذين يتولون إدارة أراضيهم بشكل شبه مستقل، يستحقون حوالي 12% من ميزانية الدولة.

 

في المقابل، يجب عليهم بيع 250 ألف برميل نفط يومياً، وهي التي يتم إنتاجها في منطقة كركوك بإقليم كردستان، وتسليم الإيرادات للحكومة، إلى جانب الرسوم الجمركية التي يجمعها الإقليم عند معابر الحدود مع تركيا وإيران.

 

ويطالب الأكراد الحكومة المركزية بدفع رواتب موظفي الحكومة المحلية، بما يشمل جنود البيشمركة الأكراد، بالإضافة إلى الديون التي يقولون إن الحكومة العراقية مدينة لهم بها لخرقها الاتفاقيات السابقة.

 

ولم يتم التوصل إلى حل وسط. في الوقت الحالي، وقد أعد الأكراد مسودتين لميزانيتهم المحلية، تشتمل الأولى على الحصة التي يتوقعون الحصول عليها من موازنة الدولة، والثانية هي ميزانية مستقلة تقوم على أساس بيع نفط كركوك، دون الاعتماد على الحكومة العراقية.

 

ويعني ذلك أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الجانبين، فمن الممكن أن تنفصل المنطقة الكردية عن العراق اقتصاديًا، مع تداعيات سياسية محتملة.

 

وعندما تم إجراء استفتاء على الاستقلال الكردي في عام 2017، أيدت أغلبية واضحة من السكان الأكراد الاستقلال، ولكن تم التخلي عن الفكرة نتيجة للضغط الأميركي والتركي والعراقي فقط.

 

ورأى الأكراد أن الضغط كان يعتبر خيانة لشراكتهم الخاصة مع الولايات المتحدة، مما سهل على شركات النفط والغاز الروسية السيطرة على معظم حقول النفط الكردية وأكثر من 60% من خط أنابيب النفط من المنطقة الكردية إلى تركيا.

 

في عام 2003، خطط الرئيس الأميركي جورج بوش أن يقوم العراق بدفع تكاليف إعادة الإعمار للشركات الأميركية لكسب عائدات هائلة من حقول النفط العراقية.

 

نقاط التهديد

واليوم، ينبغي أن تقلق واشنطن من الوجود الروسي في المناطق الشمالية، وفي المناطق الشرقية من إيران، التي تعد المورد الرئيسي للغاز والبنزين والكهرباء والتي يمكن أن يزداد تدخلها إذا عادت الولايات المتحدة إلى الاتفاقية النووية ورفعت العقوبات الاقتصادية عن طهران.

 

أما في باقي الأنحاء بالعراق، فإن الصين تلعب بالفعل دورًا اقتصاديًا مهمًا. ومن المرجح أن تزداد قوة الدور الصيني، عندما يبدأ تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية لعام 2019 بين بغداد وبكين، والتي تتضمن مليارات الدولارات في شكل استثمارات في البنية التحتية للعراق.

 

إن هذه النقاط ببساطة هي الحزمة المنتظرة في العراق للرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، وهي ليست بالمسائل الهينة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق