عدد السكان تراجع 4 %.. هل يودع الخليج زمن «العمالة الوافدة»؟

مصر العربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تشير أحدث الإحصائيات إلى أن تعداد سكان دول الخليج ربما انخفض بنسبة 4% في 2020، بعدما أدت جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط إلى "نزوح جماعي" للعمالة الوافدة، حسبما ذكرت وكالة "ستاندرد أند بورز" للتصنيفات الائتمانية.

 

وحذر تقرير للوكالة من أن هذا النزوح للعمالة منخفضة الأجر قد يستمر حتى عام 2023، ما يجبر المنطقة المعتمدة على العمالة الأجنبية إلى التحول نحو المواطنين لسد الفجوة في القطاع الخاص.

 

وقال التقرير إن تلك التغيرات قد يكون لها تداعيات على الاقتصاد الإقليمي، وقد تشكل تحديات إضافية لخطط التنويع وتقليل الاعتماد على القطاع النفطي على المدى الطويل.

 

وأشار التقرير إلى أن نسبة الوافدين في دول الخليج ستتراجع خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، وذلك بسبب "ضعف نمو القطاعات غير النفطية، وسياسات توطين القوى العاملة".

 

ويتوقع التقرير أن تتعرض "إنتاجية دول مجلس التعاون الخليجي إلى الركود"، خاصة فيما يتعلق بمستويات الدخل والتنوع الاقتصادي. وتشير التقديرات إلى أن العمالة الوافدة تشكل نحو 90 في المئة من القطاع الخاص في دول الخليج، التي تعتمد عليهم في العديد من الصناعات والخدمات.

واستبعدت الوكالة عودة العدد الكلي لسكان دول مجلس التعاون الخليجي إلى مستوى 2019، والبالغ 57.6 مليون نسمة، قبل 2023. وكشفت عن أن أكبر تراجع في عدد السكان بـ 2020 كان في إمارة دبي، حيث أثرت جائحة كورونا على قطاعات توظيف رئيسية مثل الطيران والسياحة والتجزئة، ما أدى إلى انخفاض السكان بنسبة 8.4%.

 

ويؤكد التقرير أن هجرة العمالة الوافدة على المدى القريب والمتوسط، سيكون تأثيره محدودا، خاصة أن إيرادات النفط والغاز هي المحرك الأكبر لاقتصاد هذه الدول، لكن رغم ذلك إذا لم تقم دول الخليج بإحداث إصلاحات اقتصادية واجتماعية، فإنها سوف تواجه تحديات إضافية على المدى الطويل، ولن تتمكن من تنويع اقتصاداتها بعيدا عن النفط.

 

وتعتمد دول الخليج على العمالة الوافدة في قطاعات مهمة مثل الخدمات المالية والرعاية الصحية والبناء، إضافة إلى العمالة المنزلية التي تحتل حيزاً واسعاً من السوق الخليجية بسبب رواجها وانتشارها.

 

وتعد الإمارات في مقدمة الدول التي يحتل الأجانب فيها نسبة كبيرة بإجمالي 88% من عدد السكان، تأتي بعدها قطر؛ حيث يبلغ عدد السكان الأجانب فيها 87% من السكان، ثم الكويت بـ70%، ثم البحرين بنسبة 53%، بعدها سلطنة عمان بـ41%، فيما كانت السعودية الأقل من حيث نسبة الوافدين إلى عدد السكان؛ إذ بلغت 37%، وفقاً للتقارير الإحصائية لعام 2019.

 

وحتى نهاية عام 2018، بلغت أعداد العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون نحو 20 مليون عامل، ويرتفع العدد إلى 24 مليوناً بعد إضافة أفراد الأسر، وفق تقرير مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية.

 

وترجح منظمة العمل الدولية أن يكون رحيل الوافدين في منطقة الخليج نتيجة للأزمة الحالية، أكبر مما أعقب الأزمة المالية في 2008 و2009 وتراجع أسعار النفط في 2014 و2015، لكن دون أن تحدد أرقاماً.

 

ففي الكويت ذكرت إحصائية رسمية أن نحو 12 وافداً يغادرون سوق العمل الكويتي كل ساعة، في ظل تداعيات جائحة كورونا، وتوطين البلاد عدداً من المهن، وخلال الشهور الثلاثة الأخيرة من 2020 غادر نحو 83 ألف مقيم الكويت نهائياً.

 

في الوقت الذي قال فيه المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في سلطنة عُمان، في 28 ديسمبر 2020، إن عدد العمال الوافدين بالبلاد انخفض بنحو 16% في 2020، مبيناً أن أكثر من 270 ألف وافد غادروا السلطنة منذ نهاية 2019 وحتى نوفمبر من العام الذي تلاه.

 

في حين غادر 257.17 ألف وافد سوق العمل السعودي خلال الربع الثالث من 2020، بحسب إحصائية الهيئة العامة للإحصاء في السعودية (نُشرت في 24 يناير 2021).

 

وفي أكتوبر 2020، توقعت شركة "أكسفورد إيكونوميكس"، وهي شركة استشارية يقع مقرها في بريطانيا، فقدان 900 ألف وافد لوظائفهم في الإمارات (10% من السكان) ومغادرتهم للبلاد. وفي البحرين يوجد نحو نصف مليون عامل، بينهم 80 ألفاً تعترف السلطات بإقامتهم في البلاد على نحو مخالف للقانون، قد يخسرهم السوق البحريني في أي وقت.

وحفزت جائحة كورونا شريحة من العمالة الوافدة على العودة إلى بلدانهم الأصلية، بعدما تعرضت اقتصادات الخليج لركود عام بسبب هبوط أسعار النفط، وسياسة الإغلاقات التي أصابت الاقتصاد بالشلل، خاصة القطاع الخاص، الذي اضطر لتسريح العمالة أو إجراء خفض كبير في الرواتب، بشكل لم يعد مجزيا لتلك العمالة، التي تستهدف في الأساس توفير جزء من راتبها لإعالة أسرهم.


ورغم التكلفة العالية لرحيل العمالة الوافدة، إلا أن ذلك قد يكون الخيار الأقل ضررا لدول الخليج، التي تعاني من بطالة متفشية في أوساط مواطنيها، وهو أمر لم يعد من الممكن التعايش معه كما كان يحدث في الماضي.

 

فتراجع أسعار النفط أجبر تلك الدول على رفع أسعار الخدمات، والتخلي عن اقتصاد الرفاهية، الذي كان يغدق المزايا والامتيازات على المواطنين، فضلا عن توظيف الآلاف منهم في وظائف حكومية، برواتب سخية، بغض النظر عن الحاجة إليهم من الأساس، ما أوجه تخمة من البطالة المقنعة، لذا وجدت هذه الدول في أزمة كورونا فرصة لتقليل عدد العمالة الوافدة.

وخلال العام الماضي، تلقى ملايين من العمال البسطاء، من دول آسيوية ودول عربية، قرارات تسريح وسلموا أوامر بمغادرة البلاد، ولم يقتصر الأمر على القطاع الحكومي في تلك الدول، إذ تقول مصادر، إن حكومات هذه الدول، أعطت ضوءا أخضر، لشركات القطاع الخاص، للقيام بعمليات تصفية واسعة النطاق، للعمالة الأجنبية.

 

وأصدرت السعودية، في وقت سابق، قرارا يتيح خفض رواتب العاملين في القطاع الخاص بنسبة تصل إلى 40%، مع إمكانية إنهاء عقود العمل، بحجة مواجهة التبعات الاقتصادية للفيروس، في وقت سرحت فيه عدة شركات كبرى مئات الآلاف من العمال الوافدين.

 

ومضت الكويت أيضا على نفس الطريق، فضمن خطة للاستغناء عن العمالة "الوافدة"، أصدر وزير البلدية الكويتي "وليد الجاسم" قرارا ، بإنهاء خدمات حوالي 50% من موظفي البلدية الوافدين، بعد عطلة عيد الفطر، وأشارت مصادر في الكويت إلى أن الوزير أكد على أن "إنهاء خدمات نصف أعداد الموظفين يعتبر مرحلة أولى إلى حين الوصول إلى الصفر".

 

كما ذكرت المصادر أن "إنهاء الخدمات يشمل كافة الوظائف بما فيها المهندسون والقانونيون والسكرتارية والمندوبون كما يشمل كافة القطاعات بدون استثناء بما فيها المجلس البلدي"، وكان النائب الكويتي "عبدالكريم الكندري"، قد تقدم باقتراح قانون "تكويت" جميع الوظائف العامة، خلال سنة من إصدار هذا القانون.

 

وتزامن الاستغناء عن العمالة الوافدة مع الترويج لخطاب عنصري، يظهر العمال الأجانب، مرة على أنهم السبب الرئيسي في انتشار الفيروس في البلاد، ومرة أخرى على أنهم أكلوا من خيرات البلاد بما يكفي، وأنهم ليس لهم ولاء لهذا البلدان، في سعي لشيطنة العمالة الأجنبية، وتبرير التخلي عنها.

 

وفي المقابل، يعتبر كثير من المراقبين، أن العمال الأجانب في دول الخليج، والذين تقدر مصادر عددهم بـ 35 مليون شخص، لم يكونوا شرا كاملا، فعلى مدار سنوات طويلة، أسهم هؤلاء العمال، في بناء اقتصادات دول الخليج والنهوض بها.

 

ويعتبر هؤلاء المراقبون، لموقع بي بي سي، أن هؤلاء العمال، باتوا مكوِّناً أساسياً، في سوق العمل والحياة التجارية، في دول مجلس التعاون الخليجي؛ عبر الإسهام في المسيرة التنموية، من خلال المشاركة في أعمال البناء وتكوين مؤسسات تجارية أخرى، والمساهمة في ديمومة العديد من القطاعات الاقتصادية مثل قطاع النقل.

 

وبجانب ذلك يشكك كثير من الاقتصاديين، في إمكانية أن تستغني دول الخليج بشكل كامل عن العمالة الأجنبية لديها، ويعتبر هؤلاء أن رحيل الوافدين، قد يقلص من إيرادات الحكومات الخليجية، من الرسوم وضرائب القيمة المضافة، كما أنه قد يبطئ من جهود الإصلاح، بما في ذلك خفض الانفاق العام على الرواتب والدعم

 

وكانت وكالة رويترز قد نقلت عن طارق فضل الله من مؤسسة (نومورا) لإدارة الأصول-الشرق الأوسط، قوله بأن "تراجع عدد الوافدين سيقلص الطلب على كل شيء من البيتزا إلى الفيلات، والخطر هو أن يؤدي هذا إلى تأثير انكماشي متتال وفقدان للوظائف الثانوية".

أخبار ذات صلة

0 تعليق