سلسلة 200 عام على قصر العيني، الدكتور محمد دري باشا.. «سيد الجراحين في زمانه» ورائد التأليف الجراحي بالعربية - النيل نيوز

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سلسلة 200 عام على قصر العيني، الدكتور محمد دري باشا.. «سيد الجراحين في زمانه» ورائد التأليف الجراحي بالعربية - النيل نيوز, اليوم الاثنين 31 أغسطس 2026 10:34 صباحاً

في إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه، أعلن قصر العيني إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر.

قصة الدكتور محمد دري باشا.. «سيد الجراحين في زمانه» 

قبل استئناف التسلسل التاريخي لتطور قصر العيني، والوصول إلى المحطة المتعلقة ببدايات النفوذ الأجنبي في إدارته، تفرض طبيعة التوثيق الوقوف أمام أسماء محورية شكّلت ركائز أساسية في تاريخ الطب المصري الحديث، ولا يمكن تجاوزها عند قراءة مسيرة هذا الصرح العريق. 

وفي مقدمة هذه الشخصيات يأتي الدكتور محمد دري باشا (1841–1900م)، أحد أبرز رواد الجراحة والتشريح في مصر خلال القرن التاسع عشر، والذي وصفه الدكتور علي باشا إبراهيم بأنه «سيد الجراحين في زمانه».

بدأ محمد دري مسيرته التعليمية في السابعة من عمره، حين التحق بمدرسة المبتديان عام 1264هـ، إلا أن قرار عباس باشا الأول بإلغائها بعد بضعة أشهر أدى إلى انتقاله مع عدد من زملائه إلى المدرسة التجهيزية بالأزبكية، ثم إلى مدرسة أبي زعبل. 

وبعد أن أتم دروسه بها أو قارب، وقع عليه الاختيار للالتحاق بمدرسة المهندسخانة في بولاق، التي كانت تحت إدارة علي مبارك باشا. 

ورغم انتظامه في دراسة الهندسة، ظل شغفه الحقيقي متجهًا نحو الطب، حتى نجح، بعد صبر ومحاولات، في الالتحاق بمدرسة الطب عام 1269هـ (1852–1853م).

ولم يكد دري يصل إلى الفرقة الثالثة حتى تعطل مساره العلمي مجددًا؛ إذ أصدر سعيد باشا قرارًا بإغلاق مدرسة الطب وتوزيع طلابها وفق أعمارهم. 

وكان دري من متوسطي السن، فأُلحق بـ«الشوشخانة السعيدية»، وهي أورطة عسكرية، ثم عُيّن ممرضًا بالجيش، وظل يتنقل بين وحداته حتى رُقّي إلى رتبة «جاويش». وخلال وباء الهيضة «الكوليرا» عام 1272هـ (1855–1856م)، شارك في رعاية المرضى وعلاجهم، وبدأ في تدوين ملاحظاته العلمية عن المرض؛ لتصبح تلك الخبرة لاحقًا أساسًا لأحد مؤلفاته في الأمراض الوبائية.

ومع عودة كلوت بك إلى مصر عام 1273هـ، وإعادة فتح مدرسة الطب، خضع دري لامتحان أعاده إلى فرقته السابقة، فاستكمل دراسته حتى تخرج طبيبًا، ثم عُيّن مساعدًا ومعيدًا لعلم الجراحة براتب شهري بلغ ثلاثة جنيهات، أي 300 قرش. وهكذا عاد إلى قصر العيني من بوابة التدريس، بعد أن كادت قرارات الإغلاق تبدد حلمه في دراسة الطب.

وفي عام 1279هـ/1862م، أُوفد ضمن بعثة طبية إلى باريس للتخصص في الجراحة، وكان أصغر أعضائها سنًا ورتبة. وعندما صدر قرار لاحق باستدعاء أفراد البعثة إلى مصر، استُثني دري لصغر سنه، فواصل دراسته وتدريبه على أيدي عدد من أشهر جراحي فرنسا، وفي مقدمتهم أوغست نيلاتون والدكتور نيليو. ولازم عيادة نيلاتون الجراحية عامين كاملين، حتى أشاد أستاذه باجتهاده وإقباله على العمل، مؤكدًا أنه «قلّ أن يوجد له نظير» في الاستفادة مما يشاهده.

واصل دري تحصيله العلمي والعملي حتى نال درجة الدكتوراه. وعندما زار الخديوي إسماعيل فرنسا، أثنى نيلاتون وعدد من الأطباء الفرنسيين على كفاءته واجتهاده، فحصل على دعم لشراء كتب وآلات جراحية وقطع تشريحية، عاد بها إلى مصر عام 1286هـ/1869م بعد نحو سبع سنوات من الدراسة والتدريب في فرنسا.

بدأ دري عمله عقب عودته في الإسكندرية؛ فعُيّن حكيمباشي لقسم العطارين، ثم طبيبًا ثانيًا لقسم الجراحة بمستشفى الإسكندرية. وفي أواخر عام 1288هـ/1871م، نُقل إلى القاهرة معلمًا ثانيًا لعلم التشريح، و«جراح باشي» لمستشفى النساء بقصر العيني

ثم عُيّن عام 1291هـ معلمًا أول للتشريح، ورُقّي إلى رتبة «بكباشي»، قبل أن ينال رتبة «أميرالاي» عام 1294هـ/1877م، ويتولى موقع أستاذ أول للجراحة والإكلينيك الجراحي وكبير جراحي قصر العيني.

وامتد عطاؤه الطبي إلى خارج أسوار المستشفى؛ إذ رافق الجيش المصري المشارك في الحرب العثمانية الروسية (1877–1878م)، وتولى رئاسة مستشفى صوفيا العسكري، ونال نيشان الحرب تقديرًا لجهوده في رعاية المرضى والمصابين.

داخل قصر العيني، جمع محمد دري باشا بين دقة الجراح ومنهج الباحث؛ فكان يسجل بيانات مرضاه وتشخيصاتهم وعلاجاتهم وتطور حالاتهم في دفاتر مفصلة، ثم جمعها وأهداها إلى قصر العيني تحت اسم «مجموعة محمد دري باشا الحكيم». كما أسهم في إثراء المجموعات التعليمية بالمدرسة بما جلبه من نماذج وقطع تشريحية من أوروبا، وبما جمعه ووثقه من حالات جراحية وحصوات وأورام ونواسير وصور ملونة للأمراض، لتصبح مادته العلمية أداة للتدريس والتدريب، لا مجرد مقتنيات للعرض.

ولم تقتصر مساهمته على التدريس والجراحة الإكلينيكية؛ فقد أسس، على نفقته الخاصة، «المطبعة الدرية» في منزله بحارة السقايين في عابدين، وجهزها لطباعة مؤلفاته ومؤلفات زملائه، دعمًا لنشر المعرفة الطبية باللغة العربية. ومن أبرز كتبه «بلوغ المرام في جراحة الأقسام»، وهو مؤلف موسوعي مزود بالرسوم والأشكال، صدر منه ثلاثة مجلدات في حياته وكان الجزء الرابع قيد الطبع عند وفاته، و«جراحة الأنسجة»، و«مختصر الأورام»، و«تذكار الطبيب» الذي جمع فيه الوصفات الطبية لمشاهير أطباء قصر العيني، فضلًا عن مؤلفاته في الهيضة والأمراض الوبائية.

وظل محمد دري باشا أستاذًا أول للجراحة في قصر العيني حتى فُرضت اللغة الإنجليزية لغةً للتدريس في ظل إعادة تنظيم المدرسة وفق النموذج الإنجليزي، فأُحيل إلى المعاش. 

ولم تكن إحالته مجرد نهاية لمسيرة أستاذ كبير، بل كانت مؤشرًا على تحول أوسع في هوية التعليم الطبي وإدارته، مع تصاعد النفوذ الأجنبي وإزاحة اللغة العربية وكوادر المدرسة الطبية المصرية عن صدارة المشهد، بعدما أرست، طوال عقود، تقاليد راسخة في التعليم والتأليف العلمي بالعربية.

توفي الدكتور محمد دري باشا في القاهرة ليلة 30 يوليو 1900م، بعد مسيرة جسدت قدرة الطبيب المصري على الجمع بين المهارة الجراحية، والتعليم، والبحث، والتوثيق، والتأليف، ونشر المعرفة. وتبقى سيرته شاهدًا على أن قصر العيني لم يكن مجرد متلقٍ للعلم القادم من الخارج، بل كان مؤسسة تصنع علماءها، وترسلهم إلى أرقى مدارس العالم، ثم تستعيد خبراتهم لبناء مدرسة طبية وطنية ذات أثر ممتد في مصر والمنطقة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق