عندما يصبح الأستاذ الجامعي موظفا إداريا وفنيا

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عندما يصبح الأستاذ الجامعي موظفا إداريا وفنيا, اليوم الاثنين 18 مايو 2026 11:05 مساءً


من اليسير أن يدرك المتابع لإيقاع العمل اليومي في الجامعات المحلية مفارقة فريدة جديرة بالتأمل: فالجامعة التي تنفق أموالا طائلة لاستقطاب أعضاء هيئة التدريس من أعرق الأكاديميات وابتعاث المعيدين والمحاضرين للتأهيل في أرقى الجامعات العالمية، تقحمهم في مهام إدارية وبيروقراطية لا صلة لها بتخصصهم العلمي.

إن هذه ليست مبالغة، بل هي وصف دقيق لواقع لم يتغير منذ سنين، حيث تتكدس مكاتب (وحواسيب) أعضاء هيئة التدريس بالمعاملات الإدارية، وتتوالى الاجتماعات في لجان متعددة، مما يستنزف وقت الأستاذ الجامعي في تفاصيل ومهام روتينية كان يمكن أن يقوم بها كادر إداري مدرب بكل بساطة. وهذا الواقع يعكس بوضوح غياب (أو تجاهل) التصور الاستراتيجي الذي يعيد توزيع الأدوار بشكل عادل وفعال.

فتعدد اللجان وتنوع اختصاصها في الجامعات من أبرز أعراض هذا الخلل. حيث بات توزيع العمل الإداري على الأكاديميين بحكم الحاجة لا بحكم الاختصاص روتينا مألوفا في الأقسام الأكاديمية. فاللجنة المشتركة للدراسات العليا، ولجنة الجودة، ولجنة الاعتماد، ولجنة المرافق والمختبرات، وأحيانا لجنة استقبال الطلاب الجدد والجداول والإرشاد.. إلخ، تعد أدوات هدر لوقت عضو هيئة التدريس الذي يفترض به أن يكون في قاعة المحاضرات أو في مختبرات الأبحاث. وربما زادت أعباء ملفات الجودة الطين بلة.

ومع أن أغلب هذه اللجان تؤدي عملها بشكل مقبول، لكن المقابل هو سرقة وقت ثمين من قلب المهمة الأكاديمية. ولو حاولنا تحليل السبب الجذري، سنصل بسهولة إلى أن عدد الكوادر الإدارية المتفرغة والمدربة على هذه المهام غير كاف، مما يجعل اللجوء للكادر الأكاديمي الحل الوحيد المتاح لتسيير الأعمال الإدارية الروتينية. ومن هنا تبدأ دائرة الإرهاق التي لا تنتهي.

ويمكن فهم الخلل الهيكلي بصورة أعمق من خلال استعراض بعض الأرقام للمقارنة بين جامعاتنا ونظيراتها العالمية. ففي الجامعات الأمريكية، على سبيل المثال، تصل نسبة الموظفين غير الأكاديميين إلى حوالي 37% من إجمالي العاملين في جامعات رابطة «الآيفي ليغ» (Ivy League) وفقا لبيانات NCES، وتشير بعض الإحصاءات إلى أن الموظفين غير الأكاديميين يشكلون ما لا يقل عن 50% من إجمالي القوى العاملة في بعض الجامعات. ويمكن أن تكون الأرقام أكثر دلالة حين ننظر إلى الميزانيات: ففي الجامعات الأمريكية، يخصص نحو 34.7% من الإنفاق على الموظفين غير الأكاديميين مقابل 29.7% فقط على أعضاء هيئة التدريس (بيانات - OECD 2018) أما في جامعات أستراليا، فإن نسبة الموظفين غير الأكاديميين تصل إلى 57% من إجمالي العاملين في الجامعات (IPA 2023)، بل إن أعداد الكوادر الإدارية في ست جامعات من «مجموعة الثمانية» النخبوية تتجاوز عدد الأكاديميين.

ومما لا شك فيه أن مثل هذا التوزيع المتوازن هو الذي يسمح للكوادر الأكاديمية بالتركيز الكامل على التدريس، والبحث والابتكار. وفي المقابل فالمشهد في جامعاتنا المحلية، مختلف تماما، حيث تقل النسبة في كثير من الأحيان عن 0.5 إداري لكل عضو هيئة تدريس، أي أن النقص حوالي سبعة أضعاف إذا قورن بمتوسط النسب العالمية. ومن غير المستغرب أن تجد قسما أكاديميا يضم العشرات من أعضاء هيئة التدريس ولا يوجد به سوى موظف اتصالات إدارية ومدير مكتب رئيس القسم. إن هذا الفارق ليس مجرد رقم في جدول، بل هو ترجمة حقيقية لضغط يومي لا يحتمل، حيث يجد الأكاديمي نفسه مقحما بأعباء تنفيذية يفترض أن يقوم بها فريق إداري متفرغ.

ويبرز هنا تساؤل بسيط، ومنطقي في الوقت نفسه: لماذا تعتبر هذه النسب في جامعاتنا غير مقبولة؟ في الواقع، ثمة عدة أسباب متداخلة تجعل هذا الوضع غير مقبول علميا وإداريا. أولها أن النقص الحاد في العدد يؤدي حتما إلى تراكم المهام على عدد قليل من الكوادر الإدارية، مما يجعلهم منهكين بالعمل الروتيني وبالتالي لا يجدون متسعا للإبداع أو التطوير. وثانيها، وهو الأخطر، أن هذا النقص يفرض واقعا مريرا يتمثل في إقحام أعضاء هيئة التدريس في الأعمال الإدارية والتنفيذية التي تستنزف جل وقتهم، وبالتالي يتدنى إنتاجهم العلمي، وهو ما يخالف فلسفة العمل الأكاديمي ذاتها ويعطل خطط وبرامج الجامعة البحثية. وثالثها، أن غياب التوصيف الوظيفي الدقيق وبرامج التدريب المستدامة للكوادر الإدارية والفنية يجعلهم غير قادرين على الاضطلاع بمهامهم على الوجه الأمثل، مما يضاعف العبء على أعضاء هيئة التدريس. ورابع هذه الأسباب، أن هذه النسب المتدنية جدا تعيق مساعي الجامعات في الحصول على الاعتمادات الأكاديمية المحلية والدولية التي تشترط وجود بنية تحتية إدارية وفنية قادرة على دعم العملية التعليمية والبحثية بكفاءة ومهنية.

ولعل المشكلة لا تتوقف عند نقص أعداد الإداريين فقط، فهذا (وبالرغم من خطورته) ليس جوهر الأزمة. بل لعل الأصعب والأخطر هو ضعف مهارات الكادر الفني، وذلك بسبب غياب مسار تدريب مهني واضح يضمن استمرار تنمية مهاراته. ويمكن إدراك الفارق بمقارنة فني يعمل بالجامعة بزميله الذي التحق بشركة كبرى مثل أرامكو أو سابك، فالأخير يبدأ ببرامج تدريبية مكثفة تمتد لأشهر، ويمنح توصيفا وظيفيا دقيقا، ويقيم أداؤه سنويا بمؤشرات واضحة، ويحدد له مسار وظيفي متدرج (فني مساعد، فني أول، خبير تقني) مما يحفزه على التطور المستمر. ففي هذه المؤسسات يعتبر الفني شريكا في الإنتاج والجودة. أما فني مختبرات الجامعات، فغالبا ما يعين الفني دون خطة تدريب، ويترك ليتعلم من زميل أقدم ربما يعاني من الضعف نفسه. كما أن توصيفه الوظيفي غامض، وترقيته على الأقدمية لا الكفاءة. فبرغم إخلاصه، إلا أن معرفته السطحية تحد من كفاءته، فيعجز عن تشغيل الأجهزة المعقدة أو تدريب الطلاب عليها. وهذا ينعكس سلبا على المقررات العملية، التي تتحول إلى عروض نظرية أو تجارب استثنائية يشرف عليها الأستاذ بنفسه خوفا على الأجهزة. فلتجاوز هذه السلبيات لا بد من توصيف وظيفي دقيق للفني، وخطة تدريب مرحلية (عدة أشهر) تحت إشراف فني خبير، تشمل التشغيل والصيانة وإدارة المواد والتوثيق، مع إنشاء مسار وظيفي يتدرج من فني مساعد إلى خبير تقني، ويتطلب كل مستوى اجتياز اختبارات عملية صارمة. وهذا ما تطبقه كثير من جامعات الجامعات حول العالم بمختلف نماذجها.

ويقودنا النقاش السابق إلى تساؤل هام ومنطقي: لماذا لا تتحرك جامعاتنا بهذا الاتجاه؟ والإجابة لا تكمن في الجهل بالمشكلة، فالجميع يدركها ويعاني منها، بل تكمن في غياب الأولوية الاستراتيجية. فالقيادات الأكاديمية ربما تنشغل بمهام يومية يرونها أكثر إلحاحا، والموارد المخصصة للتدريب تختزل أحيانا لصالح بنود أخرى. وهنا يأتي دور القيادات الجامعية والوزارات المعنية معا، فهم مطالبون بإعادة النظر في سياسات التوظيف والميزانيات، وأخذ الاستثمار في تدريب الكوادر الإدارية والفنية ضمن الأولويات الاستراتيجية.

خلاصة القول، إن استمرار هذه الممارسة يذهب بالاستثمار الضخم في الموارد البشرية الباهظة أدراج الرياح. فبدلا من أن ينهمك هؤلاء الأكاديميون في البحث العلمي وبناء المعرفة والتدريس وتصميم مقررات نوعية، يتحولون ببساطة إلى موظفين إداريين، مما يؤدي إلى انهيار مؤشرات الإنتاج العلمي، وعدم استغلال المختبرات المتطورة، وحرمان الطلبة من التدريب العملي المناسب. كما يعرض الجامعة لمخاطر الفشل في تحقيق متطلبات الاعتماد الأكاديمي، ويسرع تراجعها في التصنيفات العالمية. فنجاح الجامعة وقدرتها على أداء رسالتها لا يعتمدان على الأكاديمي وحده، بل على تكامل الركائز الثلاث: أكاديمي مبدع، وكادر إداري متمكن، وكادر فني مدرب. ومن المؤكد أن الإخلال بهذه المعادلة البسيطة يحول الاستثمار في العقول والمقدرات إلى خسارة استراتيجية مؤكدة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق