نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الفرصة الأخيرة بعد كسر العظام, اليوم السبت 11 أبريل 2026 11:53 مساءً
هناك من يتوق لرؤية العالم يحترق. في المقابل يوجد من يسعى لإخماد النيران ويجتهد لأجل تحقيق ذلك. والحروب مقيتة، لأنها تمنح فرصة البحث عن مبررات لاستخدام القوة. وذاتها تستدعي النبش وراء أسباب البقاء أو الصمود. وقتها لا يتسيد إلا صوت السلاح. من الأرض أو من السماء أو البحار أيا كان. يختلف المصدر النتيجة واحدة. الموت والدمار.
في الحرب الأخيرة التي دار رحاها بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب، والجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ لا أحد منتصر، ولا مهزوم. إن دعت الحاجة افتراضيا إلى وجود من يجوز اعتباره منتصرا، فبرأيي هي باكستان.
سأعود لإسلام أباد، بعد الحديث عن التباينات بين طرفي الاتفاق على وقف النار والمفاوضات. أقول «طرفي»؛ أعني واشنطن وطهران، على اعتبار أن تل أبيب خرجت من اللعبة مرغمة، دون استشارة أو إخطار من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي ربما اكتشف أنه تعرض لخديعة إسرائيلية، قادته لفتح جبهة حرب كان يصورها له بنيامين نتنياهو، أنها لا تستحق عناء التفكير، وستنتهي بعد أيام، لكنها اقتربت من الشهرين.
بصرف النظر عن تقزيم نتنياهو، المهم أن تراشق الاتهامات بين أمريكا وإيران لم يتوقف منذ إعلان وضع السلاح الثلاثاء الماضي. البيت الأبيض وسيده وفريق عمله، يرفعون لواء فتح مضيق هرمز. قال ترامب «سنفتح مضيق هرمز باتفاق أو دونه».
وتلك إشارة تلمح لعدم انسجام بين واشنطن وطهران، ولا سيما أن الأخيرة أكدت على لسان مسؤوليها، أن قصف لبنان يجب أن يتوقف، باعتباره ضمن الشروط التي وضعتها، بينما تنكر إدارة ترامب ذلك.
هذه بالمناسبة قضية أخرى، كيف؟ أعتقد أن ترامب منح حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، الضوء الأخضر لقصف لبنان لعدة أسباب. ما هي؟ أولا: إشغاله عن المفاوضات التي لم يستشر بها. لذلك نفذ سلاح الجو الإسرائيلي اليوم التالي، غارات عنيفة ضد لبنان، تجاوزت 100 طلعة بساعات.
ثانيا: لأن نتنياهو لا يفهم إلا لغة القتل، فمن المناسب برفع سقف الهجمات، اقتياد الحكومة اللبنانية، التي تخشى اهتزاز صورتها أمام الرأي العام الداخلي والعربي، للحوار. وهذا ما حدث؛ إذ أكدت الرئاسة اللبنانية، عزمها الاجتماع بمسؤولين إسرائيليين في واشنطن الثلاثاء المقبل، بوساطة أمريكية. وتلك سابقة تاريخية.
ثالثا: تكريس حقيقة ألا خيار أمام لبنان، سوى الإطباق على سلاح حزب الله. وهذا ما أثار الأمين العام للحزب نعيم قاسم، يتعهد بقتال «العدو» حتى آخر نفس، ويطالب الدولة اللبنانية بعدم تقديم تنازلات مجانية، كناية عن قبول فكرة التفاوض اللبناني مع إسرائيل.
دون شك إن إصرار الحزب على مواجهة القوة النارية الإسرائيلية، سيقود لعزله عن مؤيديه ومناصريه، سواء من شيعة لبنان أو من المسيحيين والدروز. وذلك بالمعنى الاستراتيجي، يضر بالمفاهيم التي أسس عليها، ويضع التأييد الشعبي عنصرا أساسيا، تكتسب منه الميليشيا شرعيتها وأحقيتها في ممارسة ما يسمى «المقاومة».
أعود لمفاوضات العاصمة الباكستانية، فالنظر للمعطيات التي تمخضت عنها الحرب، يشي بسيناريوهات محصورة بعدة توقعات. أولا: الخروج باتفاقات مبدئية، يمكن عدم الالتزام بها من الجانبين، بانتهاج المماطلة. ثانيا: تمديد التفاوض. وذا ما يحتمل أن يناور من أجله الجانب الإيراني، لشراء الوقت. ثالثا: تعنت على الشروط والمطالب، بأجواء مشحونة بالأصل، ما سيؤدي إلى فشل المفاوضات، وبالتالي العودة للمربع الأول، وإحدى النتائج التي ستنجم عن ذلك، عودة الحرب والمواجهة من جديد.
السؤال: لماذا الاستنتاجات المتشائمة؟ لأن عامل الثقة مفقود بين واشنطن وطهران، وسبق أن انهارت لقاءات سابقة بينهما لأسباب مشابهة. بمعنى أن تاريخ البلدين حافل بفشل أي مفاوضات. آخرها ما شهدته مسقط.
أما بالنسبة للانتصار الدبلوماسي الباكستاني الذي ذكرت في مطلع المقال، يستند على الثقة العالمية بالسياسة الباكستانية، التي تعد حليفة لأمريكا، وتملك علاقات متوازنة مع إيران.
وهذا ما ألمح له تقرير لصحيفة «الغارديان البريطانية»، أشارت فيه إلى أن إسلام أباد لعبت دور «الوسيط وليس الضامن»، ومارست بالوقت نفسه ضغوطا سياسية على الصين، من أجل التدخل؛ وأقنعت بكين، لقيادة طهران بالقبول بوقف إطلاق النار، والتفاوض مع الجانب الأمريكي، بضمان أمنها، وعدم اغتيال القادة الإيرانيين حال سفرهم لإجراء المحادثات لباكستان.
بعد كل ذلك؛ أتصور أن خطوات إسلام أباد، لم تكن بعيدة عن الصوت السياسي السعودي، الذي تثق به، ورجاحته وحكمته، وهو الذي يدعم استقرار المنطقة، ويجد أن وقف إطلاق النار، فرصة لتحقيق تهدئة شاملة ومعالجة القضايا العالقة، التي تسببت بزعزعة الأمن لعدة عقود في هذا الجزء الهام من العالم، ويرفض بالوقت نفسه المساس بسيادة الدول وأمنها، مع ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحا، وتأمين الممرات البحرية كافة، وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، دون قيود أو شروط.
إن المنطقة والعالم ليسوا بحاجة مزيد من الحروب. الشعوب تنتظر التنمية، ورغد العيش، بالنماء والازدهار، لا بحمل السلاح، ولا هدير الطائرات المقاتلة في السماء، وإغلاق منافذ الطاقة.
الحياة فرص. وهذه فرصة أخيرة.. بعد كسر العظام.

















0 تعليق