نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الرحيل يكشف
ما لا يستحق التأجيل, اليوم السبت 11 أبريل 2026 11:53 مساءً
في بعض الأيام، لا يأتيك الموت مجرد خبر يتلقى، بل رسالة ينبغي أن تفهم.. يوم الخميس قبل الماضي، تكرر علي خبر الموت مرتين؛ في أوله، رحيل معالي الأستاذ الدكتور رضا محمد سعيد عبيد، ابن المدينة المنورة؛ اثنتان وتسعون سنة قضاها بشرف؛ رئيسا لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، ومديرا لجامعة الملك عبدالعزيز، وعضوا بمجلس الشورى، وغير ذلك من مناصب ولجان ازدانت بتواجده فيها ورئاسته لبعضها، ومنها لجنة كنت عضوا فيها وكان هو رئيسها، وكان أكثرنا حصافة وأدبا؛ وفي آخره، أي اليوم نفسه، رحيل الصهر المبارك، الشريف شرف بن مساعد بن مسعود آل يحيى، الذي عاش مع أختي الشريفة ليلى ستة وستين عاما، ورحل عنها عن تسعين عاما، قضى جزءا كبيرا منها في خدمة مشاريع التوسعة والترميم التي نفذتها الحكومة السعودية المباركة للحرم المكي الشريف، وكان لذلك أثر ظاهر في سيرته وحياته؛ وما رأينا منه ولا سمعنا عنه إلا خيرا؛ وبين بدء اليوم وخاتمته، لم يكن الفارق في الزمن، بل في الإشارات التي يمكن أن تلتقط من هنا وهناك، وهي صلب مقالي اليوم، وأعتذر إن تكررت بعض أشباه فقراته في مقالات سابقة.
ليس أصعب ما في الموت فقد الأحبة، على شدته، بل ما يتركه في النفس من انكشاف لما كنا نظنه مهما، فإذا هو مؤجل بلا داع، أو متضخم بلا قيمة؛ فالموت لا يعلمنا جديدا بقدر ما يعري ما كنا نعرفه ونتجاهله، فكلنا نعرف أن الزمن محدود، لكننا نتصرف كأنه ممتد، ونعرف أن العلاقات أولى، لكننا نؤخرها، ونعرف أن بعض الخصومات لا تستحق، لكننا نطيل الوقوف عندها كأنها معارك مصيرية، وللأسف..
حين رحل عنا رجل عرف بالفكر والعلم، وآخر عرف بحسن العشرة وامتداد الأثر، بدا المشهد لي وكأنه يلخص ما يبقى من الإنسان، وما يتركه في الناس من بعده؛ فالأول استعادت العقول ما خلفه من معان ومكارم، والثاني استعادت القلوب ما خلفه من مآثر وفضائل، وكلاهما، على اختلاف المسار، يمكن اختصار حياتهما في بصماتهما المحفزة للغير؛ وهنا يأتي سؤال، ويفرض نفسه بنفسه، وهو ليس كيف عاش من رحلوا، بل ماذا بقي منهم، وليس كم امتلكوا من أرصدة، بل كم تركوا مما يحمد.
لست بحاجة إلى مزيد من التذكير بأن الموت قادم؛ فهذه حقيقة لا يختلف عليها أحد، لكننا بحاجة إلى أن نراجع ما نؤجله قبل أن يتحول إلى شيء لا يمكن فعله أصلا، وأن نقول كلمة الصدق والحق قبل أن تصبح حسرة، وأن نواصل الصلات قبل أن تنقطع نهائيا، وأن نخفف ثقل ما لا يستحق هذا الثقل؛ فالحياة ليست طويلة بقدر ما هي مثقلة بالمؤجلات، والموت عندما يحين الأجل، لا يأتي ليخيف، بقدر ما يأتي ليختصر الطريق، وليقول لمن هو ما زال حيا، ما كنت ستؤجله غدا، قد لا يكون له غد.
رحم الله معالي الدكتور رضا عبيد، والعزاء لزوجه المصون الأستاذة فاطمة الشوا، وأولاده الأفاضل رائد ورمزي ورياض، وبناته الفضليات رنا وريم وراوية، ورحم الله الشريف شرف بن مساعد آل يحيى، والعزاء لأختي الغالية ليلى، وأبنائها المباركين مازن ومساعد، وبناتها المباركات هويدا وهالة وهيفاء وهنادي ونوف، وجعل الله في رحيل من ذكرت تذكرة لا تحزن فحسب، بل تصلح، وتتذكر قول الحق، سبحانه وتعالى، في سورة العنكبوت:{يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون}.

















0 تعليق