تفاوض بين الانكشاف والتعجيز والتنازل

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تفاوض بين الانكشاف والتعجيز والتنازل, اليوم السبت 11 أبريل 2026 11:53 مساءً

التفاوض خليط علم وفن هجوم مركب يحتوي عناصر حق وقوة وكاريزما وضغط وإقناع، وضعف وتعجيز وإرضاء.

رحلة سياسية نفسية، وعصا وجزرة؛ وحقوق ومطامح، وتحايل، وإغراء، ووعود.

عين المفاوض اللماح تبرق، يبتسم، يندهش، يعرض، يحاول انتزاع أكبر قدر من المكاسب، وتجنب نقطة انكسار قد تقلب الطاولة.

والمفاوضات الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، والتي تستضيفها قاعدة نور خان المحروسة في إسلام آباد، تقدم نموذجا متكاملا لاختبارات سياسية شديدة الحساسية.

الولايات المتحدة تمتلك اليد العليا على طاولة المفاوضات، بما عكسه تفوقها العسكري والاقتصادي والسياسي، وقدرة فرض العقوبات والمكافأة، وإدارة التحالفات الدولية.

تفوق يمنحها المساحات الواسعة لرفع سقف شروطها، بتنظيم البرنامج النووي الإيراني، وتقنين أنشطة التصنيع الصاروخي والعسكري، وقطع الأذرع الإقليمية المهددة لدول الجوار.

والتفاوض بين الدولة القوية والدولة الضعيفة يعتبر إدارة للخسائر، وتثبيتا لموازين القوى لا تغييرا لها.

في المقابل، تدخل إيران المفاوضات وهي مثقلة بالخسائر الميدانية الفظيعة، والفوضى السياسية بزوال القيادات، والاختراقات والتشرذم، وتهديد بالتقسيم.

طهران بعنادها ستحاول إبقاء ما تبقى لديها من أوراق على طاولة التفاوض، سواء بتضخيم الكينونة، أو المبالغة بالمطالب، والتلويح بأوراق الفوضى الإقليمية، في شرق أوسط غني بالطاقة.

وعقد المفاوضات في دولة باكستان الإسلامية النووية الجارة لإيران محك أكثر غموضا، قد يزيد فرص التفاهم.

وربما يخلق خلافات أعظم، بضعف ضمانات الأمن، وتشابك حدود جغرافيا الإرهاب، وصعوبة صناعة مناخ تفاوضي يمنح الأطراف شعورا نسبيا بالأمان والحياد.

واشنطن سترفع سقف اشتراطاتها لتناسب تطلعات حليفتها إسرائيل، بينما ستحاول طهران المطالبة بشروط تعجيزية، وإن كانت تعلم أن كثيرا منها لن يتحقق.

وتلك بعض قواعد التفاوض المعروفة، بتضخيم الطلبات لكسب مساحات مناورة أكبر.

وتختلق إيران أحقية سيطرتها على مضيق هرمز، ما يتعارض مع القانون الدولي والدول المشاطرة، وقانون البحار، كورقة مقايضة، وضغط.

كما ستحاول الاحتفاظ بما تبقى من نفوذها الإقليمي عبر حلفائها، في لبنان والعراق واليمن، وهذا شأن تلاعب فوق الطاولة، ينتظر ما قد يوهب من تحتها.

التفاوض خبث وفن، وعمليات تنازل وتوازن بين الممكن والمعجز، تديرها وجوه ضاحكة، وأخلاقيات تهديد تتمايز بالمداهنة.

الرئيس ترامب كان يهدد بإعادة إيران إلى نقطة الصفر، وهذا سيدفع إيران الجريحة لمحاولة الخروج من ورطتها ولو شكليا، والمحافظة على ماء الوجه، وبما يسمح لها بالعودة تدريجيا إلى التماسك الداخلي، وترميم تموضعها الإقليمي.

نتائج هذه المفاوضات إما أن تكون منتهى الفشل، أو الخروج بتوازن عقلاني، أو لحاق بالرمق الأخير.

المفاوض العقلاني سينجح، مستخدما ما يمتلك من مميزات، وبمساعدة شركاء وأحلاف يحيلون مطالباته لأوراق ضغط أو إغراءات، تناسب فك العقدة ورمزية الجغرافيا والكينونة السياسية لصنع الاتفاق، أو إفشاله.

والسؤال المطروح: هل ستنجح هذه المفاوضات بالوصول إلى تسوية متوازنة، واستقرار إقليمي شامل، أم أنها ستولد فصول عناد وهدنات تتبعها فصول من صراع طويل، واختلاق لخلافات جديدة تؤكد بسط السطوة على الإقليم؟

والإجابة، كما هو الحال دائما في عالم التفاوض، تتوقف على مقدار ما يستطيع كل طرف أن يقدمه أو يأخذه، وما يضطر أو يتكرم بالتنازل عنه، طمعا بإقناع شعبه والعالم، بأنه قد انتصر!

أخبار ذات صلة

0 تعليق