صناعة بلا عنوان

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صناعة بلا عنوان, اليوم الاثنين 6 أبريل 2026 11:16 مساءً


سبق أن كتبت في الصحيفة هنا مقالا بعنوان «المنصة الحكومية الموحدة هل تصبح واقعا؟»، وهو مقترح للمنصة السعودية الحكومية الموحدة للمصنعين والشركات، والتي تأخذ طابعا مختلفا، وتتميز بتفردها بالفكرة وتكون أقرب للقطاع الخاص في المفهوم، ويمكن الاطلاع على المقال في الموقع الالكتروني للصحيفة.

إذًا ما علاقة المقال السابق في ما سأطرحه اليوم؟
لعلي ضمن جلسات عمل سابقة، كنت أبحث عن عنوان تواصل لمصانع لديها منتج أبحث عنه، وللأسف تكبدت الكثير من العناء لأجد مصنعا يقوم بإنتاج المطلوب، وللأسف غالب مشكلتي كانت في وسيلة التواصل، لا يوجد عندهم عنوان واضح، وإن وجدت ستحصل على رقم جوال، غالبا لا يرد عليه أحد أو مغلق أو مقطوع!

والمفاجأة أن عددا من هذه المصانع ما زالت بلا مواقع الكترونية، أو لا يوجد لها عنوان وطني واضح أو حتى رابط على خرائط Google، أو لديها بريد الكتروني غير رسمي «أي أنه غير مربوط بـ(دومين) خاص باسم الشركة».

للأسف يعتقد بعض ملاك ومديري تلك المصانع والشركات أن هذا ليس تفصيلا مهما! بل موضوع ثانوي، وقد تبعده نجاحاته التسويقية إلى نسيانها أو الاستنقاص من أهميتها، حتى تصبح فجوة تسويقية استراتيجية تضعف القدرة على النمو وتتناقض مع مستوى التحول الذي تطمح إليه رؤية السعودية 2030.

اليوم، الاقتصاد الصناعي لا يعتمد فقط على خطوط إنتاج متقدمة، بل على قدرة المصنع للوصول لأكبر شريحة من المستهدفين أو المستفيدين، الذين وبالتأكيد يريدون أن يجدوا ما يبحثون عنه خلال دقيقة واحدة فقط (موقع، بريد رسمي، رقم صحيح، موقع وطني أو على خرائط جوجل، وتوثيق حكومي يضمن عدم التلاعب). أما إذا اضطر للبحث دقائق دون نتيجة، فهذا يعني أن المصانع خسرت فرصة بيع.

ومن جانبي بحثت واطلعت على دراسة للأداء في التسويق الصناعي والـB2B، تشير إلى أن «لحظة العثور على المورد» هي لحظة حاسمة في علم التسويق يسمونها (Zero Moment of Truth). إذا لم يجدك العميل عندها، فهو ببساطة سيتجاوزك لغيرك.

أيضا نظرية «Funnel Optimization» وهي نظرية تحسين العقبات التسويقية، تؤكد أن تقليل الجهد في مرحلة البحث، يرفع معدل الاهتمام ومن ثم التواصل ثم إلى عقد حقيقي، وهو رأس هرم العمل.

أتحدث هنا عن شريحة تبدو لي كبيرة، ليست هامشية، فعلى سبيل المثال قطاع البلاستيك في المملكة ينمو بخط مستقر ويمثل قاعدة أساسية لقطاعات البناء واللوجستية والتجزئة والصناعة التحويلية، منطقيا، هذا القطاع يجب أن يكون من أكثر القطاعات استجابة للتسويق الرقمي، لأنه قطاع عالي التنافسية، والسلعة فيه ليست فقط «سعرا» بل «موثوقية + جودة + توفر + سرعة وصول».

وهناك نقطة مهمة يجب ألا تغيب وهي: جودة المنتج وحدها لا تسوق المنتج، فالجودة شرط، ولكنها لا تصنع الطلب! وفي دراسات عالمية متعددة - في مجال التسويق الرقمي والقوائم المحلية - تؤكد أن الشركات التي لا تضع بيانات اتصال دقيقة أو موثقة، تتعرض لخسائر ملموسة، حتى لو كان المنتج نفسه عالي الجودة؛ فالتنافس اليوم ليس بين «منتج جيد» و«منتج ضعيف»، بل بين «منتج جيد لا يمكن الوصول إليه» و«منتج جيد يمكن الوصول إليه خلال 30 ثانية». الفارق هنا ليس فنيا، بل زمني ورقمي.

وهذه نقطة حساسة جدا في ملف البيئة الاستثمارية، فأي مستثمر يرغب في دراسة سلسلة توريد محلية، لن يبذل مجهودا خارقا ليبحث عن رقم أو بريد؛ وهذا يتناقض مع واقع بعض المصانع اليوم، فأهداف رفع نسبة المحتوى المحلي، وتوسيع دائرة التصدير، ورفع تنافسية الصناعة السعودية في المنطقة، يجب أن تجد التكاملية في جميع أجزائها.

هناك تحليل بيانات لشركات تقنية تعمل في مجال إدارة الظهور المحلي
(Local Presence Management)، وجد أن ما بين 30% إلى 45% من القوائم التجارية عالميا تحتوي على أخطاء في بيانات أساسية، مثل رقم الهاتف أو العنوان أو البريد الالكتروني. الأهم من ذلك مسوحات آراء المستهلكين أظهرت أن أكثر من 80% من العملاء يفقدون الثقة مباشرة عندما يجدون أن رقم الاتصال غير صحيح أو أن عنوان النشاط التجاري غير واضح أو متضارب.

وفي سياق أوسع، تقديرات أبحاث جودة البيانات (في بيئات أعمال مختلفة) أشارت إلى أن «ضعف جودة البيانات» يكلف الاقتصادات الكبرى مليارات الدولارات سنويا بسبب ضياع فرص البيع وارتفاع تكلفة الحصول على عميل وضعف التحويل إلى عقود. تخيل أن هذه الأرقام لا تأتي من ضعف المنتج، بل من سوء الوصول إليه. وهو ما ينسجم تماما مع فرضية هذا المقال: الصناعة اليوم لا تتحدد فقط بجودة ما نصنع، بل أيضا بجودة قدرتنا على جعل العميل يصل إلينا بسرعة وثقة.

من هنا تأتي أدوار الوزارات، فوزارة التجارة التي يمكنها اعتبار (توثيق بيانات الاتصال الرسمية) شرطا لتجديد السجلات التجارية؛ وكذلك وزارة الصناعة تستطيع إدخال معيار بسيط، لا يوجد ترخيص صناعي دون قنوات تواصل رقمية فعالة؛ والأمر لا يختلف مع وزارة الاستثمار التي يمكنها تحويل هذه المشكلة إلى ميزة عبر إنشاء قائمة أو سجل «كاتالوج» وطني للمصانع المتاحة للشراكة والاستثمار، ببيانات دقيقة ومحدثة، وتقديمه للمستثمرين كمرجع رسمي.

كل هذا ليس ترفا، بل هو جزء من صميم تحويل الصناعة والتجارة السعودية من نموذج الورش إلى نموذج الصناعة التنافسية؛ الرؤية ليست أن نملك مصانع فقط، بل أن نملك مصانع تجيد صناعة قيمة اقتصادية وتسويقية، لا يمكن أن يكون المصنع عالميا في إنتاجه، ولا يستطيع أحد سماعه أو معرفته.

alsheddi@

أخبار ذات صلة

0 تعليق