نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بين وجع الفقد
وأفق الأمل, اليوم الأحد 29 مارس 2026 12:39 صباحاً
ليس كل عيد يستقبل بالصورة ذاتها، ولا كل البيوت تتساوى في بهجته، فالحياة لا تمضي على نسق واحد، ولا تنتظر اكتمال الفرح لتجري أقدارها؛ فقد يأتي العيد على قلب مغمور بالسرور، ويأتي على آخر وهو يحمل أثر فقد قريب، وكلاهما يعيش اللحظة نفسها، لكن بمعنيين مختلفين.
من أعمق ما يتعلمه الإنسان في اللحظات الحياتية المختلفة أن الأمل ليس إنكارا للألم، ولا التفاؤل تغافلا عن الواقع، بل هو قدرة على الاستمرار، وثقة بأن الطريق، مهما كان ضيقا، لا يخلو من منفذ، ومن الواجب على الإنسان أن يمضي، وهو يحمل في قلبه أثر ما فقد، دون أن يعطل به ما بقي، وأن يدرك أن الحياة لا تبنى على صفاء دائم، بل على حسن التعامل مع ما يتبدل فيها، وهذا هو الفارق بين من تقف به اللحظة، ومن يعبر بها إلى معنى أوسع.
هذا العام، استقبلت ليلة العيد على وقع فقد عزيز؛ فقد ودعت أختي الشريفة آمنة، عن 95 عاما، عرفت خلاله بالسكينة والوقار، وبحسن التربية لابنتيها فاطمة ونعيمة، وبالحنان والعطف على كل الناس؛ وواريتها الثرى مع الأهل والأرحام والأحباب فجر العيد، بمقبرة «الأسد» بجدة، بجوار زوجها الصهر الفاضل العم أبو محمد السيد ياسين بن عمر بن محمد الجفري، الذي سبقها قبل 45 سنة، وعمره 64، وعمرها 50؛ وحياة زوجية طولها 36 سنة، رحمهما الله جميعا.
المشهد السابق ليس خاصا ببيت دون غيره، بقدر ما هو صورة من صور الحياة التي تتكرر، حين يتجاور الفرح والحزن، وتتجمع الأقدار في لحظة واحدة، وفي مثل هذه التزاحمات الحياتية، لا يطلب من الإنسان أن يلغي شعيرة العيد، ولا أن يقصي أثر الفقد، بل يحسن ترتيب قلبه بينهما؛ فيبقي للعيد معناه، وللفقد حقه، فالعيد شعيرة من شعائر الفرح المشروع، والحزن على الراحلين وفاء لا ملامة عليه، وبينهما مساحة دقيقة تدار بالحكمة، ويبقى فوق كل ذلك كله تعظيم مقام الرضا بأقدار الله تعالى.
في لحظات الفقد، لا يتعلم الإنسان أن الأمل ليس نقيض الألم، كما ذكرت آنفا، بل رفيقه في الطريق، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأوطان أيضا تتعامل مع تحدياتها بهذا المنطق؛ ومن هذا المنظور، تقرأ مبادرة «السعودية الخضراء»، التي صادف الخميس الماضي، 27 مارس، يومها الرسمي السنوي، بوصفها تجسيدا عمليا لأمل لا يكتفي بالشعور، بل يترجم إلى مشروعات تعنى بحماية البيئة، وتحسين جودة الحياة، وتأكيد على أن المبادرة التي أطلقها سمو سيدي ولي العهد، تعزيز لدور المملكة في التعامل مع التحديات المناخية بوصفها مسؤولية حاضرة، لا شأنا مؤجلا، في دلالة على أن الوعي البيئي أصبح جزءا من الثقافة الوطنية، ومن مسار تنموي متكامل، يتقاطع فيه الإنسان مع البيئة، والتنمية مع الاستدامة.
أختم بأنه بين عيد يحمل في بعض البيوت أثر الفقد، ووطن يمضي في مشروعات تعزز مقومات الحياة، يتجلى معنى أن المسير لا يتوقف، وأن الأقدار، مهما تزاحمت، لا تسقط عن الإنسان واجب الاستمرار، ولا عن الأوطان مسؤولية البناء؛ ويبقى الدرس الأعظم، وهو أن الحياة لا تدار بما نتمناه، بل بما نحسن التعامل معه، وأن الأمل ليس أن يخلو الطريق من العوائق، بل أن نمضي فيه ونحن على يقين بأن المعنى أكبر من أي عثرة.. رحم الله من فقدنا، وجعل ما مضى من أعمارهم عامرا بالأجر، وأبقى في القلوب أثرهم الطيب، وحفظ الله الوطن، وأدام مجده وعلياءه.














0 تعليق